أينشتاين وعباقرة الاستشهادات .. عندما تتفوّق الفقاعات على العقول!
د. محمد بني سلامة
13-06-2026 11:56 PM
يُقال إن ألبرت أينشتاين، أحد أعظم العقول التي عرفتها البشرية، نشر خلال مسيرته العلمية ما يقارب 300 ورقة علمية، وكان في معظمها الباحث الوحيد الذي صاغ الفكرة وكتب البحث وحمل مسؤوليته العلمية كاملة.
لكن يبدو أن الزمن قد تغيّر، وأن قوانين العبقرية نفسها قد أُعيدت صياغتها!
ففي عالمنا الأكاديمي المعاصر، ظهر عباقرة جدد استطاعوا ـ وبقدرة تكاد تتحدى قوانين الفيزياء والمنطق معًا ـ أن يتفوقوا على أينشتاين نفسه في أعداد الاستشهادات العلمية. وليس ذلك من خلال اكتشاف نظرية جديدة في النسبية، أو فك لغز من ألغاز الكون، بل عبر الانضمام إلى أبحاث جماعية تضم أحيانًا 150 باحثًا أو أكثر من مختلف أنحاء العالم.
ويبقى السؤال المشروع: كيف اجتمع هؤلاء جميعًا؟ وكيف نسّقوا جهودهم؟ وكيف ساهم كل واحد منهم مساهمة حقيقية في بحث يتكرر سنويًا تقريبًا بالعنوان ذاته، مع تغيير السنة أو بعض التفاصيل الشكلية فقط؟
الأكثر إثارة للدهشة أن بعض أصحاب الأرقام القياسية في الاستشهادات نادرًا ما تجد أسماءهم في مقدمة قائمة المؤلفين. فلا هم المؤلف الأول، ولا الثاني، ولا الثالث، ولا الرابع... بل قد تحتاج إلى عدّ الأسماء واحدًا تلو الآخر حتى تصل إليهم في ذيل القائمة الطويلة. والأندر من ذلك أن يكون أحدهم هو الباحث المسؤول عن المراسلات العلمية أو صاحب الدور القيادي الفعلي في البحث.
ومع ذلك، تتدفق الاستشهادات بالمئات والآلاف، وتتضخم الأرقام، وتنتفخ المؤشرات، وتُصنع هالات وهمية من "التميز البحثي" حول أسماء لم تختبر يومًا مسؤولية إنتاج فكرة علمية أصيلة من بدايتها إلى نهايتها.
لقد تحولت الاستشهادات لدى البعض من وسيلة لقياس الأثر العلمي إلى غاية بحد ذاتها، ومن مؤشر مساعد إلى صنم أكاديمي يُعبد. وأصبحت الأرقام في كثير من الأحيان أهم من الفكرة، والظهور في القوائم أهم من الإسهام الحقيقي في المعرفة.
إنها فقاعة كبيرة، وأوهام متضخمة، وحالة من الانبهار المرضي بالأرقام المجردة التي لا تروي دائمًا القصة الحقيقية للإنجاز العلمي. فليس كل من جمع آلاف الاستشهادات عالمًا مؤثرًا، كما أن غياب الأرقام الضخمة لا يعني بالضرورة غياب القيمة العلمية.
ولو عاد أينشتاين اليوم، ربما لاحتاج إلى الانضمام إلى فريق من 150 باحثًا، وأن ينتظر دوره في آخر قائمة المؤلفين، حتى يُقنع بعض إدارات الجامعات بأنه باحث "متميز" يستحق التقدير!
وأترك للزملاء والأكاديميين والمهتمين بالشأن البحثي أن يجيبوا عن السؤال الأهم: هل نقيس العلم الحقيقي، أم نقيس مجرد مهارة النفخ في أرقام الاستشهادات؟ وهل أصبح الهدف إنتاج المعرفة، أم إنتاج المؤشرات؟
ذلك هو السؤال.