facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




مراجعات في المصرفية الإسلامية الأردنية .. من سؤال المشروعية إلى الأثر


د. محمد فخري صويلح
13-06-2026 11:15 PM

بعدما يقارب خمسة عقود على انطلاق التجربة المصرفية الإسلامية في الأردن، لم يعد من الإنصاف الاستمرار في تقييمها بالمعايير ذاتها التي صاحبت مرحلة الانطلاقة والتأسيس،،، فقد تجاوزت المصرفية الإسلامية مرحلة إثبات الوجود، ورسخت حضورها التشريعي والمؤسسي والسوقي، وأصبحت مكوناً رئيسياً في القطاع المصرفي الأردني، بما تمتلكه من أصول وموجودات وقاعدة متعاملين، وانتشاراً مؤسسياً وخبرات متراكمة.

لكن التجارب التي تبلغ مرحلة النضج لا تُقاس بقدرتها على الاستمرار فقط،،، بل بقدرتها على التجدد وتحقيق الاستدامة والقدرة على التجدد،،، وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعات هادئة وعميقة تتجاوز المنتجات والعقود والأرقام، كما تتجاوز المدح والقدح، لتعيد تعريف التجربة ومعايير نجاحها، ولتطرح سؤالاً أكثر أهمية: ماذا حققت المصرفية الإسلامية للأردن خلال خمسة عقود؟ وما الدور الذي ينبغي أن تؤديه خلال المرحلة المقبلة؟

لقد انطلقت المصرفية الإسلامية في بداياتها استجابة لحاجة مجتمعية وباعث قيمي يتمثل في توفير بديل مصرفي متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، واستجابت الدولة الأردنية من خلال مجموعة من التشريعات التنظيمية والتشغيلية، وكان سؤال المشروعية هو السؤال المركزي آنذاك.

وأما اليوم، فإن هذا السؤال لم يعد يحتل الموقع ذاته،، فالمشروعية أصبحت جزءً من البنية المؤسسية والتنظيمية للصناعة، وتحولت الهيئات الشرعية والضوابط الرقابية إلى مكونات راسخة مستقرة في العمل المصرفي الإسلامي، لكنني في الوقت ذاته أخشى أن تتحول المصرفية الإسلامية إلى قصة نجاح مؤسسي لا تقابلها بالضرورة قصة نجاح تنموي بالمستوى ذاته.

فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم هو: هل نجحت المصارف الإسلامية في الانتقال من تحقيق المشروعية إلى تحقيق الكفاءة؟ وهل استطاعت أن تقدم قيمة مضافة اقتصادية واجتماعية تتجاوز مجرد تقديم بديل متوافق مع الشريعة؟

الحقيقة أن التجربة الأردنية حققت نجاحات مهمة لا يمكن تجاهلها،،، فقد أسهمت في تعزيز الشمول المالي لفئات واسعة من المجتمع، ووفرت أدوات تمويلية متنوعة للأفراد والشركات، ورسخت نموذجاً مصرفياً مستقراً نسبياً خلال فترات التقلبات الاقتصادية،،، كما لعبت دوراً مهماً في ترسيخ ثقافة التمويل الإسلامي،،، وتطوير الكفاءات البشرية المتخصصة في هذا المجال.

غير أن هذه النجاحات لا ينبغي أن تحجب بعض التحديات التي ما تزال قائمة،، فالمتابع لتطور الصناعة يلاحظ أن جانباً كبيراً من النشاط المصرفي الإسلامي ما يزال يتركز في التمويل الاستهلاكي وتمويل الأفراد، في حين لم تصل صيغ المشاركة والاستثمار إلى المستوى المأمول من الحضور والتأثير،،، كما أن مساهمة المصارف الإسلامية في تمويل القطاعات الإنتاجية والابتكارية والمشروعات ذات الأثر التنموي ما تزال أقل من الطموحات التي رافقت نشأة الفكرة ومرحلة التأسيس.

ومن هنا فإن المراجعة المطلوبة اليوم،، ليست مراجعة فقهية أو قانونية بقدر ما هي مراجعة تنموية واستراتيجية،،، فالمصرفية الإسلامية لم تنشأ لتكون نسخة موازية للمصرفية التقليدية تختلف في الصياغات التعاقدية فقط، بل جاءت حاملة لرؤية اقتصادية واجتماعية أوسع، تقوم على تحقيق التنمية والعدالة وتعزيز الاستثمار الحقيقي وربط التمويل بالاقتصاد المنتج.

كما أن التحولات العالمية المتسارعة تفرض تحديات جديدة على المصارف الإسلامية،،، فالرقمنة والذكاء الاصطناعي والتقنيات المالية الحديثة وتغير سلوك العملاء تفرض جميعها إعادة النظر في نماذج الأعمال التقليدية،،، ولم يعد مقبولاً أن تُقاس القدرة التنافسية للمصارف الإسلامية فقط بمدى التزامها الشرعي، بل أيضاً بقدرتها على تقديم تجربة مصرفية متطورة وسريعة ومرنة تواكب توقعات الأجيال الجديدة.

وفي الوقت ذاته، تتزايد أهمية مفاهيم الاستدامة والتمويل المسؤول والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، وهي مجالات تمتلك المصرفية الإسلامية فيها ميزة تنافسية طبيعية بحكم ارتباطها بمنظومة قيمية تركز على الأثر والمسؤولية وتحقيق المصلحة العامة،،، غير أن تحويل هذه الميزة النظرية إلى ممارسة مؤسسية يحتاج إلى رؤية أكثر وضوحاً ومبادرات أكثر جرأة.

إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق إدارة العمليات إلى منطق صناعة الأثر. فنجاح المصرف الإسلامي في المستقبل لن يقاس فقط بحجم أرباحه أو موجوداته، وإنما بقدرته على المساهمة في خلق فرص العمل، وتمويل المشروعات الإنتاجية، ودعم الابتكار، وتحقيق التنمية المحلية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

ولتحقيق ذلك،- وبحكم ارتباطي بالمصرفية الإسلامية طيلة عقود ثلاثة، أستطيع القول إن التحديات التي تواجه الصناعة اليوم تختلف جذرياً عن تحديات التأسيس، وهو ما يفرض أدوات تفكير جديدة تستشرف المستقبل - أرى أن المرحلة المقبلة تستدعي ثلاث توصيات تنظيمية وتنفيذية يمكن أن تشكل أساساً لحوار وطني جاد بين البنك المركزي الأردني والمصارف الإسلامية والجهات ذات العلاقة.

أولاً: إطلاق إطار وطني لقياس الأثر التنموي للمصارف الإسلامية، فقد اعتدنا على قياس الأداء المصرفي من خلال مؤشرات الربحية والسيولة والملاءة، وهي مؤشرات ضرورية بلا شك، لكنها لا تكفي لقياس نجاح المصرفية الإسلامية في تحقيق رسالتها الأوسع.

لذلك تبرز الحاجة إلى تولي البنك المركزي إطلاق مؤشر وطني للأثر التنموي للمصارف الإسلامية، وإصدار تقرير سنوي لقياس الأثر التنموي للمصارف الإسلامية وفق مؤشرات موحدة،،، متضمناً مؤشرات واضحة لتمويل المشروعات الإنتاجية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص العمل، والمساهمة في التنمية المجتمعية،، فقياس الأثر هو الخطوة الأولى نحو تعظيمه.

ثانياً: تحفيز التمويل الاستثماري والمشاركات الإنتاجية، فلا تزال منتجات صيغة المرابحة تستحوذ على الحصة الأكبر من التمويل الإسلامي، وهو أمر مفهوم من منظور إدارة المخاطر، لكنه لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى تطوير أدوات المشاركة والاستثمار.

ومن هنا يمكن للبنك المركزي والجهات التنظيمية دراسة حوافز رقابية وتشغيلية تشجع المصارف الإسلامية على التوسع في التمويل الاستثماري وتمويل المشروعات الإنتاجية والابتكارية، بما يعزز ارتباط القطاع المصرفي الإسلامي بالاقتصاد الحقيقي ويمنحه دوراً تنموياً أكبر.

ثالثاً: إعداد استراتيجية وطنية للتحول الرقمي في المصرفية الإسلامية، فالتحول الرقمي أصبح ضرورة استراتيجية،،، ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد رقمنة الخدمات الحالية، وإنما إعادة تصميم تجربة العميل ونموذج الأعمال بالكامل بما يتوافق مع متطلبات العصر وضوابط الشريعة.

وقد يكون من المناسب إطلاق مبادرة وطنية مشتركة بين البنك المركزي والمصارف الإسلامية وشركات التكنولوجيا المالية لتطوير حلول رقمية متوافقة مع الشريعة، وتعزيز الابتكار المالي الإسلامي، وتهيئة البيئة التنظيمية للتقنيات الناشئة.

إن المصرفية الإسلامية الأردنية تقف اليوم أمام لحظة مهمة في مسيرتها،،، فهي لم تعد مطالبة بإثبات مشروعيتها، بل بإثبات قدرتها على صناعة قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد والمجتمع.

والمراجعات التي نحتاجها ليست مراجعات للماضي بقدر ما هي مراجعات للمستقبل،،، مراجعات تعيد اكتشاف الرسالة الأصلية للمصرفية الإسلامية وتمنحها القدرة على مواصلة التأثير في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

فبعد خمسة عقود من التأسيس، ربما يكون السؤال الأهم ليس: ماذا حققت المصرفية الإسلامية؟ بل: ماذا يمكن أن تحقق إذا امتلكت الشجاعة المؤسسية لتجديد ذاتها والانطلاق نحو أفق أكثر اتساعاً وتأثيراً؟

وإذا كانت العقود المتوافقة مع الشريعة قد منحت المصرفية الإسلامية مشروعيتها، فإن الأثر التنموي هو الذي سيمنحها شرعيتها المجتمعية في المستقبل،،، فالتحدي لم يعد كيف نثبت التوافق، بل كيف نثبت القيمة المضافة التي تحققها المصرفية الإسلامية للدولة والمجتمع.

إن التحدي الحقيقي أمام المصرفية الإسلامية خلال العقد القادم ليس في التوسع بالحجم، بل في تعظيم القيمة،،، فالمستقبل لن يكون للمؤسسات التي تمتلك أكبر الأصول، وإنما للمؤسسات التي تمتلك أكبر قدرة على تحويل المال إلى تنمية، والتمويل إلى إنتاج، والربحية إلى أثر مستدام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :