facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاستقرار كنفط الأردن غير المرئي: كيف يتحول إلى رأس مال اقتصادي؟


د. حمد الكساسبة
21-06-2026 03:22 PM

كثيرًا ما يقال إن الأردن لا يملك النفط ولا الغاز بكميات كبيرة. لكن هذا لا يعني أنه لا يملك موارد مهمة. فهناك مورد آخر لا يقل قيمة في منطقة مضطربة، وهو الاستقرار. فقد حافظ الأردن، رغم الظروف الإقليمية الصعبة، على قدر مهم من الأمن والاستقرار المالي والنقدي. وهذا الاستقرار يمكن أن يصبح قوة اقتصادية إذا جرى استخدامه بطريقة صحيحة.

في منطقة مليئة بالتوترات، يصبح الاستقرار ميزة حقيقية. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الإعفاءات أو انخفاض الكلفة، بل يريد بلدًا يستطيع أن يخطط فيه بأمان. والسائح لا يختار وجهته بسبب الجمال أو السعر فقط، بل ينظر أيضًا إلى الأمن وسهولة الحركة. وحتى الشركات التي تريد التوسع أو التصدير تحتاج إلى بيئة واضحة ومستقرة. لذلك، فإن الاستقرار في الأردن ليس مجرد حالة أمنية، بل ميزة اقتصادية يمكن البناء عليها.

وهذه الفكرة ليست نظرية. فهناك دول محدودة الموارد حولت الاستقرار والثقة إلى قوة اقتصادية. سنغافورة بنت نجاحها على الموقع، والقانون، والخدمات، والتعليم. وموريشيوس انتقلت من اقتصاد يعتمد على السكر إلى اقتصاد أوسع في السياحة، والتصنيع، والخدمات. ورواندا جعلت الاستقرار والتخطيط مدخلًا لجذب الاستثمار والسياحة. وهذه التجارب لا تعني أن الأردن ينسخ نموذجًا جاهزًا، بل تؤكد أن شح الموارد لا يمنع بناء اقتصاد قوي.

لكن وجود الاستقرار لا يكفي وحده. فهناك فرق بين أن نحافظ عليه، وأن نحوله إلى نمو وفرص عمل. فالاستقرار إذا بقي مجرد حالة عامة لن يغير كثيرًا في حياة الناس. أما إذا استُخدم لجذب الاستثمار، وتوسيع السياحة، وتحفيز الصناعة والتجارة، فإنه يصبح رأس مال منتجًا. ومن هنا، يجب أن يكون السؤال: كيف نحول استقرار الأردن إلى قوة اقتصادية ملموسة؟

يستطيع الأردن أن يقدم نفسه كدولة آمنة ومنظمة في قلب إقليم متقلب. وهذه ميزة مهمة، خصوصًا إذا ارتبطت بمشاريع واضحة وسياسات سهلة التنفيذ. فالموقع الجغرافي بين الخليج والعراق وبلاد الشام وفلسطين يمكن أن يتحول إلى فرصة في التجارة، والخدمات، والتعليم، والسياحة العلاجية، والخدمات اللوجستية. لكن ذلك يحتاج إلى خطاب اقتصادي عملي يوضح ماذا يعني الاستقرار للمستثمر والسائح والشريك التجاري.

كما أن الثقة بالدينار وبالسياسة النقدية تشكل عنصر قوة مهمًا. فهي تمنح الناس والشركات والمستثمرين شعورًا أكبر بالوضوح، وتساعدهم على اتخاذ قرارات طويلة الأجل. غير أن هذه الثقة تحتاج إلى اقتصاد منتج يساندها، حتى لا يبقى الاستقرار مجرد حماية من الأزمات. فالمطلوب أن تتحول الثقة إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات وفرص عمل.

أما الاستقرار المالي، فلا ينبغي أن يُفهم فقط على أنه ضبط للعجز والدين، رغم أهمية ذلك. فالأهم هو كيف نستخدم الموارد المحدودة. هل تذهب إلى إنفاق يرفع الإنتاجية؟ هل تفتح المجال أمام القطاع الخاص؟ هل تساعد المحافظات والقطاعات المنتجة على النمو؟ فكل دينار عام يجب أن يترك أثرًا في الاقتصاد، لا أن يبقى مجرد رقم في الموازنة.

ومن هنا، يحتاج الأردن إلى تحويل الاستقرار إلى سياسة اقتصادية نشطة. ويبدأ ذلك بتحديد القطاعات التي يمكن أن تستفيد بسرعة من صورة الأردن المستقرة، مثل السياحة العلاجية والدينية، والتعليم، والخدمات الرقمية، والصناعة الخفيفة، والزراعة عالية القيمة، والخدمات اللوجستية. ثم تأتي الخطوة الأهم: تسهيل الاستثمار فيها، وتقليل العوائق، وربطها بالأسواق العربية والإقليمية.

في النهاية، قد لا يملك الأردن نفطًا تحت الأرض، لكنه يملك استقرارًا يمكن أن يصبح نفطًا اقتصاديًا فوق الأرض. وهذا لن يحدث تلقائيًا، بل يحتاج إلى سياسات واضحة، وتنفيذ سريع، وربط حقيقي بين الاستقرار والاستثمار والإنتاج والتشغيل. والسؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يملك الأردن موارد طبيعية كبرى؟ بل: كيف يحول ما يملكه من استقرار وثقة وموقع وخبرة إلى اقتصاد أقوى وفرص أوسع؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :