الكتاب الأبيض الصيني: دعوة إلى عالم أكثر عدالة في زمن التحولات الكبرى
السفير د. موفق العجلوني
21-06-2026 03:25 PM
في خضم التحولات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها العالم، وفي وقت تتزايد فيه الأزمات الدولية وتتراجع الثقة بقدرة المؤسسات التقليدية على إدارة التحديات العالمية، يبرز الكتاب الأبيض الذي أصدره مكتب الإعلام بمجلس الدولة الصيني بعنوان "حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها" بوصفه وثيقة سياسية وفكرية تستحق القراءة والتأمل من قبل صناع القرار والباحثين والإعلاميين والرأي العام في الأردن والعالم العربي والإسلامي.
ولا أبالغ إذا قلت إن هذا الكتاب لا يخص الصين وحدها، بل يخاطب العالم بأسره، لأنه يتناول سؤالاً مركزياً بات يؤرق البشرية في القرن الحادي والعشرين: كيف يمكن بناء نظام دولي أكثر عدالة واستقراراً في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعدد فيه مراكز القوة وتتسارع فيه التحديات العابرة للحدود؟
وقد تشرفت بالاطلاع على هذه الوثيقة المهمة بفضل سعادة سفير جمهورية الصين الشعبية لدى المملكة الأردنية الهاشمية، سعادة السفير قوه وي ، الذي أتاح لي فرصة التعرف عن قرب إلى مضمون هذا الطرح الصيني المتكامل. ومن هذا المنطلق، وجدت أن من واجبي أن أضع أمام القارئ الأردني والعربي والإسلامي أبرز ما جاء في هذه الوثيقة، لما تحمله من أفكار تتجاوز حدود الصين الجغرافية لتلامس مستقبل النظام الدولي برمته.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة تتراجع فيها الأحادية القطبية التي سادت لعقود، فيما تتعاظم المطالب الدولية بإقامة نظام عالمي أكثر توازناً وتمثيلاً لمصالح جميع الشعوب والدول. وفي هذا السياق، يقدم الكتاب الأبيض رؤية صينية متكاملة تقوم على أن الاستقرار الدولي لا يمكن أن يتحقق من خلال الهيمنة أو فرض الإرادات أو سياسة المحاور، وإنما عبر الشراكة والتعاون والاحترام المتبادل.
وتنطلق هذه الرؤية من خمسة مبادئ رئيسية تشكل الأساس الفكري والسياسي لمبادرة الحوكمة العالمية التي تطرحها الصين.
أول هذه المبادئ هو المساواة الكاملة بين الدول في السيادة والحقوق والواجبات، بغض النظر عن حجمها أو قوتها الاقتصادية أو العسكرية. وهي رسالة تعكس تطلعاً عالمياً متزايداً نحو نظام دولي يمنح الدول النامية والصغيرة صوتاً وتأثيراً أكبر في صناعة القرار العالمي.
أما المبدأ الثاني فيتمثل في التمسك بالتعددية الدولية الحقيقية، من خلال تعزيز دور الأمم المتحدة ومؤسساتها الشرعية باعتبارها الإطار الجامع للتعاون الدولي، بدلاً من اللجوء إلى سياسات الانفراد أو تجاوز الشرعية الدولية.
ويشدد الكتاب كذلك على أهمية سيادة القانون الدولي بوصفه الضامن الأساسي للعلاقات بين الدول، مؤكداً أن احترام ميثاق الأمم المتحدة والقواعد القانونية الدولية يجب أن يكون المرجعية العليا في معالجة النزاعات والخلافات الدولية.
وفي جانب لا يقل أهمية، يضع الكتاب الإنسان في مركز عملية الحوكمة العالمية، معتبراً أن التنمية وتحسين مستوى المعيشة والقضاء على الفقر وتوسيع فرص التقدم والازدهار هي الغاية النهائية لأي نظام دولي ناجح.
أما العنصر الأكثر أهمية في هذه الوثيقة فهو انتقالها من مستوى المبادئ النظرية إلى مستوى الدعوة لاتخاذ إجراءات عملية لمواجهة التحديات المشتركة، سواء تعلق الأمر بتغير المناخ أو الذكاء الاصطناعي أو الأمن السيبراني أو التنمية المستدامة أو مكافحة الفقر والأوبئة.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يأتي في وقت يشهد فيه العالم فراغاً متزايداً في آليات الحوكمة الدولية في العديد من المجالات الجديدة التي لم تعد الحدود الوطنية قادرة على احتواء آثارها وتداعياتها. فالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحت ملفات عالمية بامتياز، تتطلب تعاوناً دولياً يتجاوز الحسابات الضيقة والصراعات السياسية.
ومن بين أبرز الرسائل التي يحملها الكتاب الأبيض دعوته إلى تعزيز دور دول الجنوب العالمي في صياغة مستقبل النظام الدولي. فالعالم اليوم لم يعد كما كان قبل عقود، وأصبحت الدول النامية تمثل قوة اقتصادية وسياسية وبشرية متنامية تستحق تمثيلاً أكثر عدالة في المؤسسات الدولية وآليات اتخاذ القرار العالمي.
ومن هنا تكتسب هذه الوثيقة أهمية خاصة بالنسبة للعالم العربي، الذي عانى طويلاً من تداعيات الصراعات الدولية والاستقطابات السياسية والتدخلات الخارجية. فالمنطقة العربية بحاجة إلى نظام دولي أكثر إنصافاً يرسخ مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ويمنح التنمية والاستقرار أولوية على حساب الصراعات والمواجهات.
أما بالنسبة للأردن، فإن مضامين هذا الكتاب تتقاطع مع العديد من الثوابت التي انتهجتها الدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ، والقائمة على الحوار والتعاون واحترام القانون الدولي والسعي إلى تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. كما أن العلاقات الأردنية الصينية التي شهدت تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الماضية تؤكد وجود أرضية مشتركة واسعة للتعاون والتفاهم بين البلدين الصديقين.
إن قراءة هذا الكتاب الأبيض لا ينبغي أن تكون مجرد اطلاع على وثيقة صادرة عن دولة كبرى، بل فرصة لفهم أحد أهم النقاشات الدائرة اليوم حول مستقبل العالم وشكل النظام الدولي القادم. فالعالم يقف أمام مفترق طرق تاريخي، والخيارات التي ستُتخذ خلال السنوات المقبلة ستحدد ملامح العقود القادمة.
وفي هذا السياق، تستحق الرؤية التي تقدمها الصين من خلال هذا الكتاب أن تحظى بالنقاش والدراسة والتحليل، سواء اتفقنا مع جميع تفاصيلها أم اختلفنا مع بعضها، لأن قيمة الأفكار الكبرى تكمن في قدرتها على إثراء الحوار العالمي حول مستقبل البشرية.
وأخيراً، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لسعادة السفير قوه وي على تعريفه بهذه الوثيقة المهمة، وأدعو الجامعات ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام والنخب الفكرية والثقافية في الأردن والعالم العربي إلى الاطلاع على هذا الكتاب ومناقشة مضامينه، إيماناً بأن الحوار والمعرفة يظلان الطريق الأمثل لبناء جسور التفاهم بين الأمم والشعوب، وللمساهمة في صياغة عالم أكثر عدلاً وإنصافاً وسلاماً للأجيال القادمة .
و في هذة المناسبة حول الكتاب الابيض ، اتذكر بيت الشعر المشهور للشاعر أبو الطيب المتنبي، و الذي يقول فيه :
أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ
وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية
[email protected]