facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إمكانات التحولات البنيوية في (الشرق الأوسط)


د. ماجد العبلي
21-06-2026 03:31 PM

تمثل هذه المقالة محاولة لوصف (الصيغ البنيوية) الممكنة التي قد يصير إليها النظام الإقليمي في (الشرق الأوسط) خلال العقد أو العقود القادمة، حيث يبدو أن الصراع الدائر في المنطقة ليس صراعا تكتيكيًا على ملفات آنية أو جزئية، وإنما هو صراع استراتيجي يستهدف إعادة رسم شكل النظام الإقليمي المستقبلي، وبذا فإن موضوع هذه المقالة يتمثل بالسؤال: هل نحن أمام تحول بنيوي في الإقليم خلال السنوات القادمة؟

من المعروف أنه ومنذ نهاية الحرب الباردة (في القرن الماضي) سادت بنية (تقليدية) تقوم على هيمنة استراتيجية أمريكية، وتفوق عسكري إسرائيلي (هيمنة تكتيكية)، وغياب قوة إقليمية قادرة على تعديلها، وقبول عربي متفاوت بهذه المعادلة (تعزز واتسع منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وانطلاق عملية السلام العربية الإسرائيلية). وعليه فمن الممكن استمرار هذه البنية على المدى الطويل (عشر سنوات أو اكثر) برأي بعض المحللين الذين يحاجّون بأن هذه البنية لا تزال قائمة واقعيا، ولو أنها أضعف مما كانت عليه قبل عشرين عاماً.

غير أن التأمل في الواقع الإقليمي والدولي طوال العقدين الأخيرين يكشف أن هذه الإمكانية باتت تواجه تحديات أو عوامل معيقة جوهرية مثل: ارتفاع كلفة الهيمنة (لأسباب عديدة منها تزايد فاعلية محور المقاومة)، وتنامي النزعات الاستقلالية لدى الحلفاء، وتراجع القدرة الأمريكية على إدارة أزمات متعددة في وقت واحد، وصعود قوى دولية منافسة.

وبالنظر الى الصراع في المنطقة، وفي الخليج مؤخرا، ومراعاة توازن القوى، ومؤشرات القوة الشاملة، والإرادة السياسية، واتجاهات النظام الدولي، فقد نكون إزاء تحول في التركيبة البنيوية للنظام الإقليمي، حيث هناك بنى ممكنة التبلور في المستقبل منها:

أولا: بنية المقاومة الشاملة (ضد الهيمنة بشقيها الاستراتيجي الأمريكي والتكتيكي الإسرائيلي)، وهو النموذج الذي يتبناه محور المقاومة الذي يعتبر أن المشكلة الأساسية هي الهيمنة الأمريكية نفسها، بينما إسرائيل أداة تكتيكية، ولذلك يتم استهداف الاثنين معاً، حيث الصراع صراع صفري.

وما يعزز هذا النموذج عاملان رئيسان هما: وضوح العدو الاستراتيجي من جانب، وإمكانية بناء تحالفات واسعة مناهضة للهيمنة من جانب آخر.

لكن هذا النموذج يواجه تحديات جوهرية كالفجوة الهائلة في القوة الشاملة، وصعوبة بناء تحالف مستقر بين أطراف متباينة المصالح، واعتماد عدد كبير من دول المنطقة على المظلة الأمريكية.

ومن الواضح أن هذه البنية تمتلك قدرة تعطيلية عالية، لكنها تواجه صعوبة في بناء نظام بديل مستقر.

ثانيا: بنية المقاومة الجزئية (ضد الهيمنة التكتيكية الإسرائيلية دون الاشتباك مع الهيمنة الاستراتيجية الأمريكية)، وتقوم على قبول الدور الأمريكي، ورفض احتكار إسرائيل للقوة الإقليمية، باعتبار أن المشكلة ليست في واشنطن بل في اختلال التوازن لصالح إسرائيل. في هذه الحالة يمكن أن تظهر معادلة: أمريكا ضامن للنظام، وقوى إقليمية متعددة تمنع الهيمنة الإسرائيلية، ما يعني أن الصراع لم يعد صفريا.

وما يعزز هذه البنية اتسامها بالعديد من المزايا مثل: أنها أكثر واقعية من البنية الأولى، كما قد تحظى بدعم دول عربية وإقليمية عديدة؛ لأنها أفضل من البنية التقليدية التي سادت طويلا، ولا تصطدم مباشرة بالولايات المتحدة.

لكن عوامل كبحها تتمثل بمتغيرين رئيسين هما: المعارضة الإسرائيلية الشديدة من ناحية، والشك بمدى توافر إرادة سياسية أمريكية لضبط حليفها الإسرائيلي من ناحية أخرى.

ثالثا: بنية التوازن الإقليمي متعدد الأقطاب (برعاية استراتيجية أمريكية) ما بين إسرائيل وإيران وتركيا والسعودية ومصر (وربما باكستان أيضا)، لتشكل هذه الدول نواة النظام الإقليمي بشكله الجديد، وتتولى إدارة مصالحه على صورة مجلس إدارة تتساوى فيه الأصوات؛ وقد تكون هذه البنية أكثر الصيغ إثارة للاهتمام من الناحية النظرية، لأنها تُحوِّلُ جوهرَ الصراع إلى مزيج من التنافس والتعاون.

في هذه البنية تبقى الولايات المتحدة الضامن الاستراتيجي الأعلى، لكن إدارة الإقليم لا تتم عبر إسرائيل وحدها، بل عبر مجلس قوى إقليمية G6)) على غرار (G7) في النظام الدولي.

وتتميز هذه البنية بخفض تكلفة الهيمنة الأمريكية، ومنع احتكار إسرائيل للنظام، ومنح القوى الإقليمية حصصاً معترفاً بها، وتقليل دوافع الحروب الكبرى..

غير أنها تواجه العديد من التحديات التي تحتاج حلولا إبداعية مثل: الصراع الإيراني الإسرائيلي، والتنافس التركي الإيراني الكامن، وحساسية الملف النووي، وغياب مؤسسات إقليمية قادرة على إدارة هذا التوازن..

رابعا: بنية الفوضى التنافسية متعددة الأقطاب؛ حيث لا هيمنة أمريكية كاملة، ولا محور مقاومة قادر على الحسم، ولا مجلس إقليمي G6 مستقر، بل استمرار الوجود الأمريكي الفاعل دون هيمنة كاملة، واستمرار التفوق الإسرائيلي النسبي دون القدرة على الحسم، وصعود القوة الايرانية دون القدرة على فرض نظام بديل، وتزايد استقلالية كل من تركيا والسعودية ومصر، واتساع مساحات الحضور الصيني والروسي وربما الباكستاني أيضا؛ ما يعني أن المنطقة تدخل مرحلة تشبه ما يسمى (التعددية الإقليمية غير المستقرة)، والتي قد تكون البنية الأكثر واقعية في المدى المتوسط، وهو النمط الذي اتسمت به البنية الأوروبية في القرن التاسع عشر قبل الحرب العالمية الأولى، ولكن مع درجة أعلى من الهشاشة.

في هذه البنية (والتي سينظر إليها كبنية انتقالية) قد تتداخل وتتزامن السمات الإيجابية التي من شأنها تعزيز نسيج الاستقرار النسبي من جانب، والسمات السلبية التي قد تنكث غزل الاستقرار من الجانب المقابل، وفيما يلي استعراض لهذه السمات:

أولا: السمات الإيجابية لبنية الفوضى التنافسية متعددة الأقطاب:

١-تمنع احتكار القوة، حيث وجود عدة أقطاب يجعل من الصعب على أي قطب فرض إرادته بالكامل على الآخرين؛ فلا إسرائيل تستطيع فرض رؤيتها منفردة، ولا إيران تستطيع الهيمنة على المنطقة، كما أن تركيا والسعودية تواجهان قيوداً مماثلة؛ وهذا يخلق نوعاً من التوازن النسبي.

٢-تفتح المجال للمناورة الاستراتيجية، حيث الدول المتوسطة والصغيرة تستطيع تنويع علاقاتها؛ فدول الخليج تستطيع التعاون مع أمريكا والصين معاً، وتركيا تستطيع التفاهم مع روسيا والغرب في الوقت نفسه؛ وهذا يزيد هامش الاستقلالية.

٣-تخفض احتمالات الحرب الإقليمية الشاملة، حيث عندما توجد عدة قوى متوازنة نسبياً تصبح كلفة الحرب الكبرى مرتفعة، فتتحول المنافسة إلى (مواجهات محدودة، أو ضغوط اقتصادية، أو منافسات دبلوماسية، أو هجمات سيبرانية) بدلاً من حروب مباشرة واسعة.

٤-تسمح بظهور ترتيبات إقليمية جديدة، حيث غياب الهيمنة يفتح الباب أمام تفاهمات خليجية إيرانية، وتفاهمات تركية عربية، وترتيبات أمنية محلية، بعيداً عن الاستقطاب الحاد، ما قد يسمح بإمكانية نشوء نظام أمني جماعي مستقبلاً: (G6) مثلا.

٥-تخلق ديناميكية أوسع لتنويع الشراكات الاقتصادية، ما يسمح لدول الإقليم بالاستفادة من الولايات المتحدة والصين وأوروبا والهند وغيرها في آن واحد.

ثانيا: السمات السلبية لبنية الفوضى التنافسية متعددة الأقطاب:

١-هشاشة مستوى الاستقرار، وهذه نقطة الضعف الكبرى؛ فغياب قوة ضابطة للنظام قد يؤدي إلى: مشاكل متكررة، أو صراعات حدودية، أو أزمات ردع، بحيث قد يتحول أي حادث صغير إلى أزمة كبيرة.

٢-انتشار الحروب بالوكالة، فالتنافس بين الأقطاب غالباً ما ينتقل إلى دول الهشاشة، كما حدث في: العراق وسوريا واليمن وليبيا، حيث تتحول الدول الضعيفة إلى ساحات صراع، ما قد يفكك أكثر الدول ضعفا.

٣-سباقات التسلح، حيث ستسعى كل قوة لتعويض غياب الثقة عبر زيادة قدراتها العسكرية، وهذا يؤدي إلى ارتفاع الإنفاق العسكري، وتزايد أنظمة الصواريخ والطائرات المسيرة، وتزايد احتمالات الانتشار النووي.

٤-صعوبة بناء مؤسسات إقليمية مستقرة، فالتنافس الشديد سيجعل المؤسسات الإقليمية القائمة أو المستحدثة ضعيفة، بحيث تعجز عن أداء أدوار شبيهة بأدوار الاتحاد الأوروبي أو رابطة دول جنوب شرق آسيا، بسبب تضارب المصالح في بيئة من الشك المتبادل.

٥-قابلية الاختراق الخارجي، حيث كلما ازداد الانقسام الإقليمي ازدادت قدرة القوى الكبرى على توظيف التناقضات المحلية، وهذا يمنح الولايات المتحدة وروسيا والصين، وفاعلين آخرين ربما، فرصاً أكبر للتأثير في التوازنات الإقليمية، الأمر الذي قد يوسع مساحات الاستنزاف الاقتصادي والعسكري.

وأخيرا، ومن منظور بنيوي، فإن المنطقة تبدو اليوم أقرب إلى بنية الفوضى التنافسية متعددة الأقطاب، والتي قد تكون بنية انتقالية - تطول أو تقصر- يمكن أن تتطور مستقبلا نحو بنية التوازن الإقليمي متعدد الأقطاب (G6) في حال نجاح القوى الكبرى والإقليمية في تحويل الصراع الحالي من صراع صفري إلى توازن مؤسسي منظم، وإنه لمرتقى صعب، لكنه ليس مستحيلا، فإن لم تفعل فإن البنية المستقبلية الأرجح قد تكون بنية المقاومة الجزئية التي ستستهدف إسرائيل باعتبار أن اتجاه الأحداث الدولية الكبرى تشير إلى انسحاب تدريجي للولايات المتحدة الأمريكية من المنطقة، وهذا مبحث آخر قد يتم التطرق إليه لاحقا بعون الله تعالى.

*مختص بالاقتصاد السياسي الدولي والتخطيط الاستراتيجي في العلوم السياسية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :