تغيُر دلالات القيم واثره بالسلوك الاجتماعي
د. محمد بزبز الحياري
21-06-2026 08:40 PM
اقام منتدى "حوار" الثقافي ندوة بهذا العنوان في رحاب الجامعة الاردنية تحدث بها قامات سياسية واجتماعية وتربوية يشار لها بالبنان وحضرها جمهور نخبوي مميز ملأ مدرج الفراهيدي كاملا، وقد اشبع المتحدثون الموضوع حديثا فلسفيا راقيا من معظم الزوايا، وقد كان لي مداخلة وتعقيب، لكن ضيق الوقت اجبر المنظمين على الغاء فقرة الحوار والنقاش مع الجمهور، وهنا سأعرض هذه المداخلة بتوسع في السطور اللاحقة.
بداية فان القيم تُعدّ من أهم العناصر التي تنظّم سلوك الأفراد والمجتمعات فيما بينهم، فهي تحدد ما يعتبره الناس مقبولاً أو مرفوضاً، جديراً بالاحترام أو مستحقاً للرفض. غير أن القيم ليست ثابتة بصورة مطلقة؛ فمع مرور الزمن وتغيّر الظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية، قد تتغير دلالاتها ومعانيها الاجتماعية، مما ينعكس بصورة مباشرة على أنماط السلوك الفردي والجماعي، ويقصد بتغيّر دلالات القيم ؛انتقال المعنى الاجتماعي للقيمة( بالمطلق) من تفسير أو معنى إلى آخر دون ان تختفي القيمة بحد ذاتها. فقد تبقى القيمة نفسها حاضرة في سلوك الناس وتصرفاتهم، لكن معناها ومضمونها العملي يتغير نسبيا وفق تغير الظروف والبيئة.
اجمع المتحدثون وبدرجات متفاوتة ان هناك تغييرات جذرية حدثت على دلالات القيم نحت منحا سلبيا، لخصها احدهم بأن القيم ودلالاتها تحولت من حالة الصلابة لحالة السيولة بمعنى انه تم تفكيك دلالاتها السامية والنبيلة وتغيرها لتصبح أقل من مفهومها الاساسي المتعارف عليه ان لم تصل حد التلاشي لبعض القيم ، من ناحية ٱخرى فإن القيمة اصبحت تأخذ مظهرا ومفهوما آخر غير المفهوم المتوارث والذي كان يرسخ بالذهن وعرفه الاباء والاجداد.
أقول:
ان المتتبع تاريخيا للقيم( بهذه المنطقة وغيرها) بشكل موضوعي وبدون تحيز، يجد ان الخط البياني لها متذبذب صعودا ونزولا وحسب المرجعية التي تُستَقى منها هذه القيم ونقائها وارتباطها بمعايير ومثل عليا، ثم تأتي درجة ارتباط الانسان بهذه المرجعية وإنتماؤه وإخلاصه لها ( أو تقديسها)، ثم تأثير الظروف السياسية والاقتصادية والتربوية المصاحبة ( أو المتحكمة)الامر الذي سينعكس على السلوك اليومي والمجتمعي ككل، اما هذه المرجعية ومصدرها فهي تقسم لقسمين لا ثالث لهما ، اولهما ،المرجعية الدينية( بغض النظر عن مصدر هذا الدين وشكله) وجميع الاديان تحث على الاخلاق والقيم العليا( نسبيا)، وثانيهما هو الانسان نفسه؛ بنظام القيم الذي طوره وما زال يطوره بذاته عبر تجربته الانسانية الطويله، وبكلا الحالتين فالانسان هو العمود الفقري لهذه المرجعيات ومحورها وهدفها...وعندما يكون الانسان هو نفسه مرجعية ومصدر القيم التي تحكم سلوكه فقد طور تلك العملية عبر عدة اشكال تختلف باختلاف الثقافات والعصور، لكنها تتداخل وتتفاعل فيما بينها، ومن أبرزها، المرجعية الفلسفية والعقلية التي ترى أن العقل الإنساني قادر بمجهود ذاتي على اكتشاف وتطوير المبادئ الأخلاقية من خلال التفكير العميق والتأمل ، و في هذا السياق قدمت مدارس فلسفية متعددة تصورات مختلفة للقيم؛ فبعضها ربطها بالفضيلة، وبعضها بالواجب، وأخرى بالمنفعة العامة...ايضا المرجعية الاجتماعية والثقافية حيث تنشأ كثير من القيم عبر العادات والتقاليد والأعراف التي تتوارثها الجماعات، فتحدد المقبول والمرفوض اجتماعيًا. وتُكتسب هذه القيم من خلال الأسرة والمؤسسة التربوية ووسائل الإعلام، غير أن هذه المرجعية ليست ثابتة؛ فبعض الأعراف تتغير مع تغير الظروف التاريخية والاجتماعية....ثم تأتي المرجعية القانونية والسياسية فتنبع القيم هنا من الدساتير والقوانين والمواثيق التي تنظم حياة المجتمع، مثل قيم المساواة أمام القانون، واحترام الحقوق، والمسؤولية المدنية، والمواطنة، وتكتسب هذه القيم قوة الإلزام من سلطة الدولة ومؤسساتها، ولا ننسى بأي حال من الاحوال المرجعية الانسانية العالمية حيث ان الكثير من القيم مستمدة من التجربة الانسانية بمجملها ... ايضا هناك المرجعية الشخصية او الفردية ، عندما يطور الفرد قيما خاصة به وحده تضبط بعضا من سلوكه ويتميز بها وتتميز به.
ويجب الاشارةالى ان هذه المرجعيات لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض؛ فالفرد قد يستند في الوقت نفسه إلى الدين، والعقل، والقانون، والتقاليد، وتجربته الشخصية. غير أن المشكلة قد تنشأ أحيانًا عندما تتعارض وتتداخل هذه المرجعيات، كأن يتعارض عرف اجتماعي مع مبدأ ديني، أو تتعارض قناعة شخصية مع قانون نافذ.
إن القيم ليست نتاج مصدر واحد، بل هي حصيلة تفاعل معقد بين الدين والعقل والثقافة والقانون والخبرة الإنسانية. وفهم القيم ومرجعياتها يساعد على تفسير اختلاف المجتمعات في مواقفها الأخلاقية، كما يتيح بناء حوار أكثر وعيًا حول القيم المشتركة وكيفية التوفيق بينها في عالم سريع التغير.
وفي الختام:
ان ما سمعته بالامس حول تغير دلالات القيم بمجتمعنا، قد سمعت مثله أو حوله بمجتمعات ٱخرى ( غربية وعربية)، فقد قيض لي ان استمع وٱشارك باحاديث وندوات مشابهة بهذا الموضوع، وكان جل الحديث ينصب حول نفس المشكلة " تغير دلالات القيم" وتآكل المفاهيم الاساسية، وأنه يجب العودة الى الدلالات القديمة وإعادتها لحالة الصلابة بعد ان اصابتها السيولة.
وهذا دعاني الى التفكير بنقطتين جوهريتين اعرضهما على شكل سؤالين ، الاجابة عليهما تتطلب جهدا جماعيا مؤسسيا ( اكاديميا ومجتمعيا) ومؤطرا بالمنهج العلمي في البحث.
اولا
هل هناك تعريف ثابت للقيم، به تقاس مدلولاتها ؟ وإن وجد! فأين هو؟ وما هي مرجعيته الثابتة؟ وينبثق من هذا السؤال سؤال آخر ، هل آن الاوان لاعادة تعريف القيم، آخذين بعين الاعتبار ما استجد من ظروف سياسية واقتصادية وتربوية وتكنولوجية...الخ، كان لها كل الحق بإعادة التعريف.
ثانيا
وكوننا لاحظنا ان معظم المجتمعات تعاني من تغير دلالات القيم ، هل نقول ان ذلك سياق انساني طبيعي لتغير القيم وتغير دلالاتها بعملية مستمرة وتفاعل انساني منذ الازل وستبقى للأبد ما دام هناك انسان ، والتغير في هذا الانسان هو الثابت الوحيد بمسيرته، ويجب الاعتراف بذلك شئنا ام ابينا، وهنا تصبح المسؤولية هي ضبط اتجاهات القيم قدر الامكان بشكل مؤسسي عبر جهد سياسي وتربوي واعلامي مستمر.