الناقد للفن التشكيلي في الأردن .. مداخل النقد ومحدداته
د. تيسير المشارقة
14-06-2026 11:10 PM
ناقد الفن التشكيلي في الأردن أين هو، وأين أدواته ، وماهي قدراته وما هي أساليب النقد التي يتبعها؟ بتقديرنا أن تكون متذوّقا للفن أفضل أو أحسن من أن تكون فناناً رديئاً. والتعصب لمدرسة معينة (كالواقعية والإنطباعية مثلاً) وكارهاً طارداً للمدراس الأخرى والتجارب الأخرى يحوّل الناقد أو المقدّر إلى انطباعي محترف، ويصرف عنه الموضوعية المطلوبة. الموضوعية تعني العلمية، واحتمال الرأي والرأي الآخر. وعندما تغلب الإنطباعية على التقييم والنقد ، يخرج النقد عن سكته الأصلية كالقطار الذي ينحرف عن السكة. ونحن نفترض أن النقد في نهاية الأمر هو "البحث عن المعنى" و"المعنى" هو جوهر النقد.
بقي أن نشير إلى أن الناقد الحقيقي هو الذي يسلك طريقاً موضوعياً ، بعيدا عن التعصب والتطرّف والذاتية. وعندما يتشنج ويتعصب الناقد ( أو مدّعي المهنية في النقد) لرأيه الذاتي والخاص مما يجعل محاولته النقدية باهتة. وقد يلجأ الناقد للفن التشكيلي إلى تجارب مقربين بالموضوع ومحاولة إسقاط آرائه على تلك الحصيلة المعرفية. وهذا لا عيب فيه وإلا سيضطر لعرض تجربته الخاصة.
وقد يسأل البعض ما هي مقاييس نقد الفن التشكيلي؟ ماهي أسس ومعايير النقد. وما هي جوانب العمل الفني القابلة للفحص والتفسير والبحث في دلالاتها ومعانيها.من هو الناقد الفني ، أهو فنان أم المقتني !؟، ومن يقوم بهذا العمل ، أهو مختص بالفنون التشكيلية ام كاتب مقال نقدي ؟!
بتقديري، أن الناقد الفني المتذوّق للفن التشكيلي هو الذي يطلع إلى مستوى الشغف والعشق، وينحاز لمدرسة أو تجربة أو يبحث عن فضاءات أرحب للفن خارج نطاق المدارس. وقد يتحوّل إلى مقتنٍ للأعمال الفنية ولا عيب في هذا وذاك وربما يكون فناناً محترفاً.
وكما ذكرت لنا الفنانة أنوار حدادين فإن الناقد أيا كان ، فإن "دوره الأساس هو تحليل العمل الفني وتفسيره وتقييمه ضمن سياقه الفني والثقافي والتاريخي". وتضيف الفنانة حدادين : "المقتني أو جامع الأعمال الفنية ليس ناقداً بالضرورة. لكنه مع الخبرة الطويلة قد يطوّر عيناً بصرية قوية تمكنه من: تمييز الجودة. معرفة الفنانين المؤثرين. وتقدير القيمة الفنية والسوقية. لكن رأيه يبقى أقرب إلى رأي خبير سوق أو جامع أعمال منه إلى النقد الفني الأكاديمي".
الفنانة نداء عزّت ترى أن الناقد ليس شرطاً فيه أن يكون فناناً أو مقتنياً. وأعطت حكماً جازماً أن معظم النقاد للفن التشكيلي "يكتبون وفقاً لنظرتهم السوقية أو هم صوت لجامعي الأعمال وأبعد عن النقد الفني الحقيقي". ولكنها ـ أي الفنانة عزّت ـ لم تخبرنا إن كان لدينا نقاد فن تشكيلي في الأردن أم لا !!!؟
الفنانة أنوار حدادين فرّقت بين كاتب المقال النقدي والناقد النقدي ولكننا لم نفهم عملية الإختلاف. ومزجت حدادين بين التغطية الخبرية والتقريرية الصحفية حول تجربة فنية أو للمعارض الجماعية والفردية، والمقالات النقدية الملتزمة بقواعد كتابة المقال (الفكرة أو السؤال أو الرأي في المقدمة، التوسع في الجسم في تناول الخلفية المعرفية للتجربة، وآراء النقاد الآخرين، وتمييزه لرأي دون آخر، وفي الخاتمة يخلص لنتائج افتراضاته أو هل رأيه صحيح أم يحتاج لمراجعة وهل فكرته ناجحة وهل حصل على أجوبة لأسئلته المطروحة في المقدمة أو هل القضية التي تشغل الرأي العام الفني والمهتم قيد الحل وقابلة للمعالجة أم لا).
الناشط والمصمم الغرافيكي محمد الخطيب رأيه كان واضحاً حين قال : "الناقد الفني يجب ان يمتلك المعرفة في كفة والعدل في الكفة الأخرى". وأضاف : "الناقد الفني لا يكفي أن يعرف، ولا يكفي أن يملك ذائقة. و الناقد الحقيقي يجب أن يملك المعرفة والعدل لأن المعرفة بلا عدل تتحول إلى سلطة، والعدل بلا معرفة يتحول إلى مجاملة"[ هذا الطرح عجبني]. وزاد: "ما الفرق بين الانطباع الشخصي والحكم النقدي المبني على المعرفة. انا أعرف ناقداً للفن ، لا شيء يعجبه باستثناء شغله". وناقش الخطيب، محمد محددات النقد ومفرداته أو مقاييسه: "الفكرة والتقنية والتكوين".. واسمحوا لي هنا أن انقل محددات معروفة أخرى قد تكون هي الأساس في العملية النقدية ، فالفن له عناصر ومكوّنات سبعة هي: الخطوط والنقاط، الشكل، الكتلة ، الفراغ، والايقاع "النغمة أو التون"، والألوان، والملمس.
شادي الغوانمة كفنان من الشمال الأردني : يرى أن بعض النقاد الذين دخلوا معترك صنع الفن بدأوا يحسبون أنفسهم على هذه الفئة، ولأن أعمالهم فاشلة[ وهذا افتراض] يتحول فيها الناقد من "ناقد فني إلى حاقد فني".
ختاماً ، فإن هناك مداخل متعددة للنقد الفني، هي : المدخل الموضوعي(الذي يستند على تحليل العناصر السبعة المذكورة آنفاً) وليس الإنطباعي، والمدخل التاريخي، والمدخل الاجتماعي، والمدخل الاقتصادي، والمدخل السياسي، والمدخل القانوني، والمدخل الإعلامي الاتصالي "الميديالوجي". وهذه المداخل تحتاج لاحقاً لتفسير وتوضيح أكثر.