facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




استخدام القوة وهشاشة الإطار الدبلوماسي الأمريكي الإيراني


د. محمود قدره العناقرة
20-06-2026 11:54 PM

تُجسد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران سمةً مستمرة في السياسة الدولية، وهي أن النجاح العسكري لا يترجم بالضرورة إلى نظام سياسي مستقر. فالقوة قد تُنهي المعارك، لكنها لا تستطيع أن تحدد ما إذا كان النظام السياسي قادرًا على استيعاب ما يأتي بعدها.

أظهرت الضربات الأمريكية ضمن عملية "الغضب الملحمي" (Operation Epic Fury) استمرار قدرة الولايات المتحدة على إضعاف البنية التحتية للخصوم على نطاق واسع. ومن الناحية العسكرية البحتة، أكدت العملية حقيقة مألوفة مفادها أن القوة الأمريكية تظل ساحقة عندما يتم استخدامها. إلا أن هذا الوضوح قد يكون مضللًا، لأنه يتعامل مع التدمير باعتباره حلًا نهائيًا، في حين أنه في الواقع غالبًا ما يكون مجرد نقل للضغوط إلى الأنظمة السياسية والاقتصادية التي يتعين عليها لاحقًا استيعاب التداعيات.

القيد الأعمق ليس مؤسسيًا فحسب، بل يتعلق بما يمكن تسميته بقدرة الاستيعاب النظامية. فالقوة العسكرية تعمل ضمن إطار زمني مضغوط؛ إذ تدمر وتُعطل وتُجبر الخصوم على الاستجابة بسرعة. أما النظام السياسي فيعمل ضمن إيقاع أبطأ وأكثر تعقيدًا، يعتمد على المؤسسات والشرعية والقدرة المالية والاستمرارية الإدارية. وعندما تتباعد هاتان السرعتان الزمنيتان، لا تكون النتيجة نهاية الأزمة، بل ظهور ضغوط نظامية جديدة.

ويظهر هذا الضغط اليوم بوضوح في البنية الدبلوماسية التي تتشكل حول الصراع، بما في ذلك خارطة الطريق المكونة من 14 نقطة لتحقيق الاستقرار، وعملية التنفيذ الناشئة في سويسرا. فهذه الأطر ليست دليلًا على حل الأزمة، بل دليل على أن النظام غير قادر على استيعاب نتائج استخدام القوة دون إضافة هياكل استقرار جديدة فوقه.

وتؤكد الصعوبات المبكرة التي واجهت خارطة الطريق الدبلوماسية مدى هشاشة هذه المرحلة الانتقالية. فحتى قبل انطلاق المفاوضات الفنية بشكل كامل، كانت الاضطرابات الإقليمية المتجددة والخلافات حول التنفيذ كافية لإبطاء التقدم. ولم يعد التحدي الرئيسي يتمثل في إنهاء الأعمال العدائية، بل في بناء بنية سياسية قادرة على البقاء بعد انتهائها.

لا يمكن القضاء على واقع جيوسياسي عبر القصف. فما تهدمه القوة لا يختفي، بل ينتقل إلى أجزاء أخرى من النظام، وغالبًا إلى مؤسسات لم تُصمم أصلًا لتحمل هذه الأعباء.

وهذا يخلق مفارقة متكررة في إدارة الولايات المتحدة لشؤونها الدولية. فقد اعتمدت واشنطن بشكل متزايد على الشركاء الإقليميين والتحالفات المرنة لإدارة النتائج الأمنية، جزئيًا بسبب عدم رضاها عن بطء الأطر متعددة الأطراف. لكن هذا التحول لا يزيل القيد الأساسي، بل يعيد توزيعه فقط. فالآليات الإقليمية قد تستوعب جزءًا من أعباء الإنفاذ والردع، لكنها لا تستطيع بمفردها تحويل النتائج العسكرية إلى نظام سياسي مستقر ودائم.

وتشغل كل من باكستان وقطر والسعودية هذا الحيز الوسيط. فهي توسع قدرة النظام على امتصاص الصدمات من خلال توفير قنوات دبلوماسية وقدرات إقليمية لتحقيق الاستقرار. ومع ذلك، تبقى هذه القدرة محدودة. فعلى المدى الطويل، يعتمد الاستقرار المستدام على اعتراف مؤسسي أوسع. فالإكراه قد يفرض الامتثال، لكنه لا يضمن الاستقرار تحت وطأة الأعباء التي يولدها.

ويبرز تحول موازٍ داخل منطقة الخليج. ففي أعقاب سلسلة من الصدمات الإقليمية، بدءًا من المواجهة مع إيران وصولًا إلى الحرب في غزة، بدأت دول خليجية رئيسية في إعادة معايرة استراتيجياتها الخارجية عبر مسارات دبلوماسية واقتصادية موازية مع خصوم إقليميين.

ويعكس انفتاح السعودية على إيران، إلى جانب توسع التفاعلات الاقتصادية والمالية في الخليج، ليس قطيعة مع الولايات المتحدة، بل استراتيجية تحوط أوسع فرضتها التقلبات المستمرة في البيئة الأمنية الإقليمية.

ويشير هذا النمط إلى تحول تدريجي نحو نظام إقليمي أكثر براغماتية وتبادلية، تسعى فيه الدول إلى تحقيق الاستقرار عبر تنويع تحالفاتها بدلًا من الاعتماد الحصري على مظلة أمنية واحدة. ولا يمثل هذا التنويع تحولًا أيديولوجيًا بقدر ما هو استجابة عملية لحدود الضمانات الأمنية الخارجية في بيئة تتسم بالتشظي المستمر.

وتعزز القيود الداخلية في واشنطن هذا الاتجاه، لكنها تبقى عاملًا ثانويًا مقارنة بالعامل البنيوي الأعمق. فالدورات الانتخابية والضغوط الاقتصادية تؤثر في السياسات، لكن الصراعات الحديثة تتطور بوتيرة أسرع من قدرة الأنظمة المصممة لتحقيق الاستقرار على مواكبتها. إذ إن سرعة الاضطراب تفوق سرعة الإصلاح المؤسسي.

وهنا تظهر ما يمكن تسميته "فخ النجاح". فالانتصارات التكتيكية قد تؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار إذا كانت تهدم البنى القائمة بسرعة أكبر من قدرة الأنظمة البديلة على التشكل. وفي مثل هذه الحالات، لا يؤدي النجاح العسكري إلى إنهاء الصراع، بل إلى إعادة توزيع عدم الاستقرار داخل أنظمة الحكم والتمويل والبنية التحتية التي يتعين عليها التعامل معه دون امتلاك القدرة الكافية لذلك.

كما أن مكون إعادة الإعمار المقترح، والذي يُوصف أحيانًا بعبارات تستحضر مشروع مارشال الحديث، يكشف في الوقت ذاته عن الطموح والقيود. ورغم أن المقارنة ليست كاملة، فإنها تظل معبرة؛ إذ إن المبادرة الأصلية التي أُطلقت عام 1948 انطلقت من إدراك أن النتائج العسكرية وحدها غير كافية، وأن الاستقرار الدائم يعتمد في النهاية على إعادة البناء الاقتصادي وتعزيز المؤسسات.

وقد نجحت بنية ما بعد الحرب العالمية الثانية لأنها كانت جزءًا من نظام مؤسسي متماسك يمتلك قدرة عالية على الاستيعاب. أما جهود إعادة الإعمار المعاصرة فهي أكثر تشتتًا، وتعتمد على التمويل المشروط والتنسيق الإقليمي والتوافق المؤسسي الجزئي. وبهذا تصبح إعادة الإعمار أقل شبهًا بالتسوية النهائية وأكثر شبهًا بآلية لإدارة ضغوط نظامية لم تُحل جذورها.

وربما لا يظهر الأثر الأهم لهذا الصراع في واشنطن أو طهران، بل في النظام الإقليمي الأوسع. فمع إدراك الدول لحدود الضمانات الأمنية الخارجية وهشاشة آليات الاستقرار بعد النزاعات، يزداد احتمال توجهها نحو تنويع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية.

ومن غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى شرق أوسط "ما بعد أمريكي". والأرجح ظهور نظام إقليمي أكثر براغماتية وتعددية، يتم فيه السعي إلى الاستقرار من خلال شراكات متداخلة واعتماد اقتصادي متبادل واستراتيجيات تحوط متوازنة، بدلًا من الاعتماد على بنية أمنية واحدة.

وقد أصبح هذا التحول ظاهرًا بالفعل في الخليج. فالتقارب مع إيران، والترتيبات الأمنية الموازية، والتوسع في العلاقات الاقتصادية الإقليمية، لا تعكس رفضًا للقوة الأمريكية بقدر ما تعكس تكيفًا مع حالة عدم اليقين. فالدول لا تتخلى عن تحالفاتها، لكنها تعمل على تقليل اعتمادها على أي تحالف منفرد.

وفي نهاية المطاف، لا تكمن القضية الأساسية في مدى فعالية القوة العسكرية. فالولايات المتحدة لا تزال قادرة على استخدام قوتها بصورة حاسمة. إنما السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الأنظمة التي تُطلق فيها هذه القوة قادرة على استيعاب نتائجها دون التعرض للتفكك.

ويتطلب هذا التحول الشرعية، لكنه يتطلب أيضًا البنية التحتية اللازمة: أنظمة مالية فعالة، وقدرات حوكمة قوية، ومؤسسات مرنة قادرة على تحمل ضغوط ما بعد الصراع على المدى الطويل. وعندما تكون هذه الأنظمة غير مكتملة أو معتمدة على الخارج أو منقسمة سياسيًا، تتسع الفجوة بين النجاح في ساحة المعركة والاستقرار السياسي بدلًا من أن تضيق.

ومن هذا المنطلق، فإن الصراع الأمريكي الإيراني لا يمثل فشلًا للقوة الأمريكية، بل يكشف حدودها الموضوعية. فالقوة لا تزال حاسمة، أما القدرة النظامية على استيعاب نتائجها فليست كذلك.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :