«النفط» .. بين واقعية الأسعار وأوهام التوقعات
لما جمال العبسه
21-06-2026 12:32 AM
منذ أن أعيد فتح مضيق هرمز بعد الحرب الأميركية–الصهيونية على إيران في اطار اتفاق امريكي ايراني، انطلقت توقعات مؤسسات عالمية بشأن اسعار النفط، ووضعت تصوراتها لتطور الاسعار وصولاً للعام المقبل وكانت عدد من السيناريوهات تميل الى ان تلامس الأسعار 70 دولاراً للبرميل حتى بالغت بأنها قد تصل الى 65 دولارا في العام 2027.
في قراءة لهذه التقارير من شركات مالية ومؤسسات دولية تًعنى بقطاع الطاقة بدا وكأن السوق العالمية مجرد انعكاس لحظة سياسية عابرة، غير أن الواقع الاقتصادي يفرض قراءة مختلفة تماماً، فالطلب العالمي ما زال يتجاوز 100 مليون برميل يومياً، مدفوعاً بالنمو في آسيا وأفريقيا، فيما عودة الإمدادات الخليجية ستظل تدريجية بفعل الأضرار اللوجستية وفي البنية التحتية التي خلفتها الحرب، إضافة إلى الحذر المستمر في الملاحة والشحن، وهذه المعطيات تجعل من الانزلاق الحاد إلى 70 دولاراً سيناريو غير واقعي، أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى تحليل اقتصادي.
في المقابل كان تحالف اوبك+ الذي قرأ المشهد من منظور التوازن بين العرض والطلب، في ان تحافظ الاسعار على مستويات فوق الـ 80 دولاراً، علما بان سياسات هذا التحالف أثبتت عبر سنوات ما قبل الحرب أنها قادرة على ضبط السوق ومنع المضاربين من التحكم بالأسعار، علما بأن هذه السياسات حدت من المضاربات في اسواق الطاقة العالمية من خلال ضبط المعروض مهما كانت الظروف السياسية او الجيوسياسية المفروضة على النفط.
وفي استرجاع للمشهد نجد أنه خلال اشهر الحرب على طهران اختبرت اسعار النفط الوصول الى مستوى 120 دولاراً، علما بأن اعلى اغلاق بلغته كان في اواخر نيسان وكان عند مستوى 118.03 دولار للبرميل، فيما شهدت اسواق النفط العالمية بعد اعلان توقيع الاتفاق بين واشنطن وطهران قبل ايام معدودة إلى ما دون 80 دولاراً ليغلق عند 79.73 دولار للبرميل، وهذا المستوى لم يكن سوى رد فعل نفسي سريع، ولا يعكس بالضرورة توازناً جديداً.
ومع تعافي الإنتاج تدريجياً والمتوقع ان يبدأ نهاية الشهر المقبل، فإن السوق سيعيد تقييم المعروض مقابل الطلب، ليجد نفسه في نطاق أكثر واقعية بين 75 و85 دولاراً للبرميل، وهذا المستوى يعكس توازناً بين عودة الإمدادات وبين استمرار المخاطر الجيوسياسية، ويؤكد أن النفط سيظل سلعة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها في المدى المنظور.
خلال الازمات واخرها الحرب على ايران كانت تأتي توقعات «اوبك+» الاكثر واقعية من غيرها، وهذا بناء على سياسات دولها فيما يخص الانتاج، فمن خلال تخفيضات إنتاج مدروسة أعادت الاستقرار في أزمات كبرى مثل جائحة كورونا وهذه التجربة العملية منحت توقعات أوبك+ مصداقية أكبر مقارنة بتصورات وكالة الطاقة الدولية والجهات الدولية الاخرى، التي تبني رؤيتها على تسارع التحول الطاقوي، بينما الواقع أثبت أن هذا التحول أبطأ بكثير من التقديرات، فمثلا أوروبا لم تحقق أهدافها في انتشار السيارات الكهربائية،
والولايات المتحدة عدّلت سياساتها بما يقلل من زخم التحول، فيما الطلب في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا يواصل النمو، وهو ما يعزز رؤية التحالف بأن النفط سيبقى أساساً في مزيج الطاقة لعقود.
في المقابل، الولايات المتحدة كانت المستفيدة من ارتفاع الأسعار، وبالتالي تبالغ في تصوير سيناريوهات الانفلات السعري، مستندة إلى توقعات وصول النفط إلى مستويات فلكية، لكن السوق العالمي أثبت أنه أكثر نضجاً ومرونة، وأنه يعيد ضبط نفسه وفق معادلة العرض والطلب لا وفق رغبات سياسية آنية، لذلك فإن هذا التباين بين الواقعية التي يمثلها التحالف وبين التصورات النظرية للمؤسسات الاخرى يعكس اختلافاً في المنهجية، فمن جهة تستند هذه التقديرات إلى تجربة عملية في إدارة السوق، ومن جهة اخرى إلى سياسات مناخية طموحة لم تتحقق على الأرض.
إن العودة إلى مستوى 80 دولاراً بحسب التوقعات أكثر أو أقل ليست مجرد رقم عابر، بل تعبير عن واقعية السوق في مواجهة الأزمات، ليُثبت النفط مرة أخرى أنه ليس مجرد سلعة، بل ركيزة استراتيجية للاقتصاد العالمي، وأن من يقرأه بواقعية هو من يملك القدرة على صياغة المستقبل، بعيداً عن أوهام التوقعات الدولية.
الدستور