من تخليص الإبريز إلى الأيام … قصة أمة عرفت الطريق ولم تمشِ فيه
سمير حمدان - بودابست
22-06-2026 01:19 AM
عادوا من باريس بالإجابة… وما زلنا نختلف على السؤال
ليست المدن كلها نقاطاً على الخرائط، فبعضها يُبنى بالحجر، وبعضها يُبنى بالأفكار، وقليلها يتحول إلى مرآة حضارية ترى الأمم فيها صورتها وهي تحاول فهم نفسها، وكانت باريس بالنسبة إلى أجيال من العرب واحدة من تلك المرايا النادرة، لم تكن مجرد عاصمة على ضفاف السين، بل تجربة فكرية كاملة، ومواجهة هادئة بين عالم يسأل عن أسباب التقدم وعالم نجح في تحويل المعرفة إلى قوة، والثقافة إلى نفوذ، والمستقبل إلى مشروع يومي .
في القرن التاسع عشر لم تكن باريس مدينة مزدهرة فحسب، بل عاصمة لفكرة كبرى، فكرة أن الإنسان قادر على إعادة تشكيل مصيره بالعقل والعلم والمؤسسات، في جامعاتها صيغت أفكار أعادت تعريف السياسة والاقتصاد، وفي مكتباتها تحولت المعرفة إلى سلطة تتجاوز أثر الجيوش، وفي مقاهيها صار الأدب والفلسفة جزءاً من الحياة العامة، لم يكن سحرها في عمرانها وحده، بل في قدرتها على جعل الثقافة أسلوب حياة لا امتيازاً للنخب .
عندما وصل رفاعة الطهطاوي إلى باريس عام 1826 لم يُفتن بالحجر بقدر ما أُعجب بما ينتجه العقل، رأى المدارس والمطابع والمحاكم، لكنه أدرك أن ما يراه ليس سر القوة بل نتيجتها، وأن النهضة لا تبدأ من المباني بل من الأفكار التي تقف خلفها، وحين عاد إلى مصر حاملاً «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» لم يكن يكتب عن مدينة بقدر ما كان يرسم طريقاً، طريقاً يوضح كيف يصنع التعليم مجتمعاً، وكيف تتحول المعرفة إلى طاقة تدفع أمة بأكملها إلى الأمام .
وبعد نحو قرن وصل طه حسين إلى المدينة نفسها، تغيّر العالم، لكن جوهر باريس بقي، والمفارقة أن الرجل الذي لم يرها بعينيه أبصر ما هو أعمق من الضوء والحجر، في السوربون لم يكتشف فرنسا فقط، بل اكتشف حرية إنتاج المعرفة، وفهم أن الحضارة ليست تراكم الثروة وحده، بل تراكم القدرة على النقد والمراجعة والتجديد، وحين عاد حاملاً «الأيام» لم يعد بقصة مدينة، بل بقصة وعي، قصة إنسان أدرك أن الأمم التي تخاف من السؤال تحرم نفسها من المستقبل .
لكن أهم ما في الرحلتين لم يكن باريس نفسها، بل ما كشفتاه عن الفارق بين الأمم، فالمسافة بين الشعوب لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالأفكار التي تتحول إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار، وهناك أدرك الطهطاوي وطه حسين أن الموارد وحدها لا تصنع تقدماً، وأن موقع الدولة على الخريطة أقل أهمية من موقع العقل في منظومة المجتمع، وأن المعرفة إذا بقيت نصوصاً من دون مؤسسات تتحول إلى زينة ثقافية لا إلى قوة تاريخية .
وهنا تظهر المفارقة التي تُبقي قصتهما حية حتى اليوم، فالطهطاوي كتب عن باريس، وطه حسين كتب عن أثرها فيه، لكن كليهما كان يكتب عن العرب أكثر مما يكتب عن فرنسا، لم تكن المدينة هي القضية، بل السؤال الذي أطلقته، لماذا نجحت أمم في جعل الجامعة محركاً للمستقبل، والثقافة جزءاً من قوتها، والتعليم مشروعاً وطنياً طويل الأمد، بينما بقيت أمم أخرى تنظر إلى هذه المؤسسات بوصفها مظهراً من مظاهر الحداثة لا أساساً من أسس البقاء .
غير أن الدرس الأعمق لم يكن في عدد المدارس ولا في ازدحام المكتبات، بل في امتلاك الشجاعة لتغيير الإجابات عندما تتغير الأسئلة، لم تصبح باريس مؤثرة لأنها امتلكت أجوبة نهائية، بل لأنها قبلت مراجعة يقينياتها كلما اهتز العالم من حولها، كانت تدرك أن الأفكار التي لا تتجدد تموت، وأن المجتمعات التي تتوقف عن مراجعة نفسها تبدأ بالتراجع حتى وهي تعتقد أنها تحافظ على ثوابتها .
لقد عرف العرب مبكراً كثيراً من عناصر النهضة الحديثة، وقرأوا عنها وكتبوا فيها وترجموها، لم تكن المشكلة في الوصول إلى المعرفة، بل في تحويلها إلى واقع يُدار بالمؤسسات لا بالأمزجة، وبالقواعد لا بالاستثناءات، وبينما تحولت الأفكار في أماكن أخرى إلى جامعات ومختبرات وشركات ومراكز إنتاج للمعرفة، بقيت عندنا في كثير من الأحيان موضوعاً للنقاش أكثر من كونها مشروعاً للبناء .
ولهذا بقيت باريس حاضرة في الذاكرة العربية، لا لأنها الأجمل أو الأقوى، بل لأنها كانت المكان الذي اكتشف فيه مفكران عربيان أن طريق النهضة لم يكن سراً غامضاً، لقد عادا بالإجابة منذ زمن بعيد، وربما لم تكن مأساة العرب أنهم لم يجدوا الطريق، بل أنهم وجدوه مبكراً جداً، ثم أمضوا قرنين يناقشونه، بينما كانت أمم أخرى تسير فيه، وتعيد تعبيده، وتغيّر معالمه كلما تغيّر العالم من حولها .