الاتفاق الأميركي الإيراني .. إقرار بالفشل
فهد الخيطان
22-06-2026 01:35 AM
مذكرة التفاهم المبرمة بين واشنطن وطهران، هى إقرار أميركي بخسارة الحرب على إيران، ممهور بتوقيع ترامب الشخصي. وفي التوقيع سابقة بروتوكولية غريبة، فالرئيس الذي فقد صبره وهو ينتظر موافقة الإيرانيين، لم يتردد في التوقيع على الاتفاق عن بعد؛ ليس من مكتبه البيضاوي، بل من قصر فرساي الفرنسي، وعلى يمينه الرئيس المتشفي ماكرون، الذي طالما هاجمه ترامب بقسوة، لامتناعه، وسائر القادة الأوروبيين عن تقديم المساعدة في الحرب على إيران.
ليس المشهد الأخير في قصر فرساي هو مبعث الإذلال الوحيد، بنود مذكرة التفاهم وما يترتب عليها من وقائع تنطوي على قدر هائل من الخسارة الجسيمة، للحرب ومبرراتها.
من بين أكثر الأسباب وجاهة التي تفسر هرولة ترامب لتوقيع اتفاق ينهي الحرب على إيران، هو شعوره، ربما للمرة الأولى في حياته كرجل صفقات، أنه تعرض للخداع والتضليل من طرف نتنياهو. فالأخير صور له الحرب على إيران بأنها مجرد هجوم ساحق وخاطف يقضي على القيادات، وينتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة بسقوط نظام المرشد.
وقعت بالفعل ضربة ساحقة وقاتلة، مسحت صفا عريضا من القيادات وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، لكن النظام لم يسقط، رغم استمرار القصف العنيف لقرابة أربعين يوما.
لم يخف ترامب شعوره هذا، الذي تبدى غضبا علنيا من نتنياهو، في أكثر من تصريح ومقابلة صحفية. وعلى نحو أكثر قسوة من نائبه دي فانس، الذي عارض الحرب منذ البداية، وتكفل في الأيام الأخيرة بخوض حرب إعلامية شرسة ضد حكومة المتطرفين في إسرائيل، واضعا وللمرة الأولى في عهد ترامب تعريفا جديدا للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، سيكون له ما بعده من تداعيات، لا ينبغي على الجانب العربي إهمالها، بل البناء عليها.
في المذكرة التي تؤسس لمفاوضات تستمر لمدة ستين يوما، قابلة للتمديد، تنازل ترامب عن كل شروطه لوقف الحرب على إيران، باستثناء شرط واحد كانت إيران في الأصل قد تنازلت عنه في اتفاقها الأول مع أوباما، وهو امتلاك سلاح نووي. ما يسميه ترامب بالغبار النووي سيظل في إيران مبدئيا، ومشروع الصواريخ البالستية لا ذكر له، لا بل إن ترامب عاد وأكد حق إيران امتلالكها أسوة بدول في المنطقة. كما أقر بحق طهران في استعادة أموالها المحتجزة في البنوك الأميركية والأجنبية، مبررا ذلك بالحرص على سمعة الدولار كعملة للتداول العالمي. وبموجب مذكرة التفاهم، ستحصل طهران على ما لا يقل عن 30 مليار دولار في 60 يوما. أما مضيق هرمز، الذي أقر ترامب بعجزه عسكريا عن فتحه، فقد أصبح بالفعل سلاح إيران النووي، وسيكون مصدر دخل لها بعد انقضاء فترة الشهرين القادمة.
لم يأت الاتفاق على ذكر ملف أذرع إيران في المنطقة، على العكس تماما، مذكرة التفاهم أضفت شرعية أميركية على نفوذ إيران في المنطقة، ومحورها من بيروت إلى صنعاء. في فقرتها الأولى ذكرت المذكرة لبنان ثلاث مرات، بوصفها جبهة حرب تابعة لطهران وينطبق عليها ما ينطبق على إيران. ويمثل هذا إقرارا رسميا من طرف إدارة ترامب، بحق طهران في التفاوض على الملف اللبناني، على حساب المسار الشرعي اللبناني الإسرائيلي المفتوح الذي تحول لمسار هامشي.
مصالح إسرائيل- وهذا هو المهم- لم تكن في حسابات ترامب عندما وقع المذكرة. من المستبعد أن تلتزم حكومة نتنياهو بوقف إطلاق النار في لبنان أو الانسحاب من الشريط الحدودي، لكنها لن تجرؤ على مهاجمة إيران بشكل علني ومباشر، وستلجأ على الأرجح لحرب استخبارية طالما برعت بها.
الخلاصة، ترامب لن يعود للحرب أبدا. إسرائيل لم تعد شرطي المنطقة الذي يتسابق الجميع على التحالف معه أو كسب رضاه. إيران استعادت حضورها بعد سلسلة هزائم متلاحقة.
الغد