نوادي القراءة الصامتة .. كيف تدعم صحة الدماغ وتحفّز التركيز؟
25-06-2026 05:16 PM
عمون- مؤخرا، تجوّل العشرات من الأشخاص في منزل مارغريت ميتشل، ذلك العقار التاريخي في مدينة أتلانتا الأمريكية حيث كتبت المؤلفة رواية "ذهب مع الريح"، والذي أُعيد تصميمه ليصبح متحفًا. وبينما كان الضيوف يتبادلون الأحاديث ويحتسون المشروبات، كان كثير منهم يأملون في تكوين صداقات جديدة.
لكن بعد نحو نصف ساعة من بدء التجمع، أصبح بالإمكان سماع صوت سقوط دبوس على الأرض من شدة الهدوء، إذ تحوّل المشهد النابض بالحياة إلى سكون يشبه أجواء المكتبة.
وعلى مدار الساعة التالية، لم يُسمع سوى صوت تقليب الصفحات، إلى أن انتهى وقت القراءة الصامتة وعادت الأحاديث من جديد. في النهاية، لا يعد الكتاب سوى وسيلة لكسر الجليد في أحد اللقاءات المحلية لنادي الكتاب الصامت، الذي ينظم فعاليات في مختلف أنحاء العالم.
وتشهد لقاءات نادي الكتاب الصامت، إلى جانب التجمعات المشابهة عبر الإنترنت أو على أرض الواقع مثل حفلات القراءة ومجتمعات "BookTok"، ازديادًا ملحوظًا في الشعبية. وجميعها تسهم في حركة غير رسمية تهدف إلى تشجيع المزيد من الناس على القراءة من أجل المتعة، وهي عادة شهدت تراجعًا خلال العشرين عامًا الماضية في الولايات المتحدة، بحسب دراسة أُجريت عام 2025 وحللت بيانات أكثر من 236 ألف مشارك في "مسح استخدام الوقت الأمريكي".
وقال إيدن كويل، أحد المشاركين في لقاء أتلانتا إنها "طريقة رائعة للتعرف على الناس، وتكوين الصداقات، والابتعاد قليلًا عن صخب الحياة وضغوطها للجلوس والقراءة".
ومع تزايد معدلات الاكتئاب والتوتر والقلق المرتبط بالنوم في الولايات المتحدة، رأت جيسيكا بون، الباحثة الرئيسية في دراسة 2025، أن بناء عادة القراءة أصبح "أكثر أهمية من أي وقت مضى لدعم الأشخاص الذين يواجهون هذه التحديات".
وأوضحت بون، وهي باحثة أولى في الإحصاء وعلم الأوبئة في كلية لندن الجامعية، أن هذه الفعاليات لا تعني بالضرورة أن عدد البالغين الذين يقرأون للمتعة قد ازداد. فالقراءة الترفيهية تشمل الكتب الورقية والإلكترونية، إضافة إلى المجلات والصحف. لكنها أشارت إلى أن المشاركين في لقاء أتلانتا أكدوا أنهم أصبحوا يخصصون وقتًا أطول للقراءة بفضل هذه الجلسات المنظمة.
ورأت بون أن هذه التجمعات تشير إلى عودة ثقافة القراءة للمتعة. وأضافت: "ربما تشجع هذه الأنشطة الأشخاص الذين يقرأون بالفعل على استكشاف أنواع مختلفة من الكتب أو القراءة لفترات أطول".
تساعد تنمية عادة القراءة على توسيع المفردات، وزيادة المعرفة، وتنشيط الخيال. وأظهرت دراسة عام 2020 أن القراءة مرة واحدة أسبوعيًا أو أكثر ترتبط بانخفاض خطر التدهور المعرفي لدى كبار السن.
كما أثبتت الدراسات أن القراءة المنتظمة تعزز الصحة النفسية والجسدية، فهي تقلل من التوتر والقلق وأعراض الاكتئاب، وتساعد على تحسين النوم. وقد وجدت دراسة نُشرت عام 2017 أن قضاء وقت أطول في القراءة يرتبط بانخفاض معدلات الوفاة.
ومن الفوائد الإضافية للقراءة أنها تنمّي التعاطف، رغم كونها نشاطًا فرديًا بطبيعته.
وتنظم مجموعة "Reading Rhythms" أيضًا حفلات قراءة في مدن مختلفة حول العالم بهدف بناء مجتمع من القراء، ويمكن للراغبين شراء تذاكر الحضور عبر الإنترنت.
وصف المؤسس المشارك جون ليفرييري هذه الفعاليات بأنها "محايدة تجاه نوع المادة المقروءة"، أي أن أي مادة للقراءة مرحب بها.
وقال ليفرييري: "رأينا أشخاصًا يحضرون بكتب جامعية في التمويل المؤسسي لأنهم يبدون اهتمامًا بها، كما رأينا آخرين يضعون سماعات الرأس ويقضون الساعة في الاستماع إلى كتبهم الصوتية المفضلة".
مع ذلك، أشارت بون إلى أنه رغم أن القراءة على الإنترنت أو عبر الأجهزة الإلكترونية تُعد فعلية، فإن الإشعارات والمحتويات الأخرى قد تجعل الأشخاص أكثر عرضة للتشتت، وبالتالي يقضون وقتًا أقل في القراءة الفعلية.
واتفق ليفرييري مع هذا الرأي، موضحًا أن "Reading Rhythms" تتبع "سياسة لطيفة تمنع الشاشات"، لأن حفلات القراءة تمثل نوعًا من الترياق ضد ثقافة الإشباع الفوري ودورات الدوبامين التي تؤدي إلى تراجع القدرة على التركيز.
وأشار أعضاء نادي الكتاب الصامت في أتلانتا إلى أنهم اكتشفوا حبًا جديدًا للقراءة رغم صعوبة إيجاد الوقت لها. وقال كويل: "هذه طريقة جيدة لتخصيص وقت كل أسبوع للقراءة فعلًا".
وجدت بون أن بناء عادة القراءة في مرحلة البلوغ أصعب مما هو عليه في الطفولة، لكنه ممكن بالتأكيد.
أما ليفرييري، الذي قال إنه لم يكن قارئًا جيدًا في طفولته، فقد أصبح الآن يقرأ قبل النوم كل ليلة بدلًا من تصفح هاتفه، ولاحظ تحسنًا واضحًا في جودة نومه.
وقال إنها "طريقة رائعة لمساعدتي على النوم وتهدئة عقلي من كل الفوضى الموجودة على هاتفي".
وفيما يتعلق باختيار الكتب من المكتبة، يُنصح البالغين بأن يتعاملوا مع القراءة بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الأطفال، أي أن يتركوا فضولهم يقودهم.
وينطبق الأمر ذاته على البالغين. فإذا كان شخص ما شغوفًا بالسيارات مثلًا، فإن القراءة عنها تُعد وسيلة ممتازة للبدء في بناء عادة القراءة.
CNN