كيف عبر وصفي التل عن الهوية الوطنية الأردني ، هذا السؤال ليس مطروحا على طاولة دولة عبدالرؤوف الروابدة كي يجيب عليه ، باعتباره الأكثر فهما والتصاقا بالهوية وليس مطروحا على طاولة جعفر حسان ، كي يستعين بوزير الثقافة للإجابة عليه ...
هذا السؤال أنا من سيجيب عليه ، لقد استفزني منظر المؤثرين في أمريكا وهم يروجون للبلد ، وضج سؤال في رأسي هل التعبير عن الأردن يتم بلبس الشماغ وارتداء الثوب ، وأكل المنسف والغناء والسحجة ..هل هذه هي الهوية وهل هذا هو الأردن ؟ بمقاييس وزارة السياحة نعم ..هكذا تقرأ وزارة السياحة الموضوع ، وبمقاييس (بحر العلوم) وفتى الإعلام اللوذعي والمقرب من الرئيس ..نعم فالعصر الجديد يحتاج للتحرر من الوعي ، وبمقاييس وزير الأوقاف : ( اللي من الله حياه الله) ...
وصفي التل ميزته عن دون كل الرؤوساء في الأردن ، أنه قام ببناء الشخصية الأردنية ، ففي الوقت الذي كان فيه عبدالناصر يشكل الشخصية المصرية الجديدة باعتباره الرئيس الأول الذي جاء لمصر من رحم المجتمع ومن رحم العسكرية والمعاناة ، انتبه وصفي للمسألة ولم يركز على الهوية بقدر ما ركز على الشخصية الأردنية القادرة على القيادة ، والشرسة والعروبية والمؤمنة بالمباديء ...إسرائيل كرهت وصفي التل ليس لأنه يمتلك مشروعا اسمه (الجبهة) الرابعة لتحرير فلسطين ، بل لأنه صمم الشخصية الأردنية على القتال ، وجعل الجيش أهم تعبيرات هذه الشخصية وأهم تعبيرات الهوية ...
وصفي وضع التطبيق العملي ، عبر تحديد هوية البلد بالزراعية ، وعبر بناء المؤسسات ، وعبر انتاج مشروع للشباب يتم من خلاله زرع أذهانهم بالفكرة والأيدلوجيا والمباديء ، معسكرات الحسين كانت استنساخا لفكرة الشبيبة الألمانية ، والتي منها ولدت ألمانيا كدولة صناعية كبرى ..وصفي التل (أردن) الدولة بالمفهوم الوطني ، بمعنى أن هذه الدولة بنيت على فكرة قومية وكانت تتسع لكل العرب ، ولكن في عهد نضوج الدولة واستقرارها واستقرار حدودها لابد من يخرج الأردني من عباءة الفلاح والعسكري ويرتدي عباءة القائد والمفكر والمنظر ، والشريك في صناعة أحداث محيطه العربي .
وصفي تعبيراته عن الهوية والدولة ، كانت عبر المشروع ..وليس عبر ارتداء الشماغ والسحجة والذهاب إلى أمريكا ، وتوزيع البابونج ..والغناء (اردنيين وما ننظام) ....مشروع وصفي التل في بناء الشخصية الأردنية أنتج لنا تيسير السبول الشاعر العربي والمفكر ، أنتج غالب هلسه المناضل والروائي العربي ، أنتج صحيفة الرأي كمصدات دفاع عن الدولة والقرار ..أنتج البدوي الملثم ، أنتج قفزة في الإعلام ، كان التمهيد الرئيسي لبزوغ فجر الدراما والمسرح ...أنتج المدينة الرياضية ، أنتج طارق مصاروة وجورج حداد ، كأهم أناس حملوا الفكر القومي السوري ..ودافعوا في ذات الوقت عن الدولة وإرثها وشرعيتها .
في الوقت الذي تقوم السعودية بتمويل مراكز إسلامية ، وبناء مؤسسات ثقافية في أوروبا وأمريكا ، نحن نقوم بتوزيع البابونج في أمريكا ...والمشكلة أن كل الذين يتحدثون عن الدولة وترويج السياحة في الأردن لم يقرأوا تاريخ وصفي كما يجب ، لم يقرأوا ولو بعضا من محاضراته في مدرج سمير الرفاعي في الجامعة الأردنية ، أو حواراته مع ابراهيم بكر أو المناظرات التي خاضها مع منيف الرزاز وحمد الفرحان في إربد ..
الرئيس الحالي للأسف تشكلت نظرته للدولة من خلال علاقته ،باليسار الإنتهازي المهتريء ، الذي قفز للقرار عبر غياب المنظر الحقيقي للدولة عبر غياب شخصيات وازنة مثل عدنان أبو عودة ، أو راكان المجالي أو سليمان عرار ..أو عبداللطيف عربيات ، هذا اليسار الإنتهازي لم يقفز ليشكل فكرة وشخصية حسان عن الدولة بل شكل فكرة عمر الرزاز وسمير الرفاعي ...ولكنه سقط أمام معروف البخيت وبشر الخصاونة ، فهم أول رؤوساء جاهروا باحتقاره وعلى الملء ..لأن بشر ومعروف ، كانوا يمتلكون قاعدة الوعي ..معروف البخيت على الأقل قرأ الديالكتيك قرأ محمد عابد الجابري ، قرأ تجربة الأحزاب قرأ علي الوردي ..وكان حوله مازن الساكت المثقف القومي والمناضل البعثي وعبدالله أبو رمان أفضل كتاب المرحلة ...وبشر بذات القياس ، كان ابن رجل بعثي ومناضل شرس ....لا أنسى عبدالرؤوف الروابدة ، فهم مازالوا أمامه يصمتون لأنهم يدركون أن عبدالرؤوف من المنظرين لفكرة الدولة والهوية ...وهو أعلى عقلا ووعيا منهم جميعا .
هذا سؤال أضعه على طاولة الحكومة ، هل الترويج للدولة والهوية والمشروع يتم عبر هذا الشكل ؟ هل الترويج للشخصية الأردنية يتم عبر منح القطاع الخاص مساحة تمكنه من قيادة مهرجان جرش ..مادور الحكومات إذا تخلت عن قيادة أهم مشروع ثقافي فني في البلد ؟ ..ماذا يفعل موظفوا الجهاز الرسمي إذا ...وهل القطاع الخاص معني بالهوية والمشروع أم معني بالربح ؟
ما نحتاجه الان في هذه المرحلة ليس اختبارات كفاءة في الوظائف العليا للدولة ، نحتاج لاختبارات تاريخ لوزراء الدولة ..كيف لي أن أثق بوزير على رأس وزارة مهمة ، لم يقرأ التاريخ الإجتماعي للدولة ..لم يقرأ فكر وصفي التل ، أو يعرف عن مؤتمر أم قيس أو حسين الطراونة ...أوحركة الضباط الأحرار ، أو مشروع الجبهة الرابعة ..كيف لي أن أثق بوزراء وظيفتهم إلقاء محاضرات مليئة بالثرثرة دون تضمينها بأي مفصل تاريخي مر على الدولة ، دون الحديث عن الرسالة والشخصية والمشروع ...
أنا لست بحال أفضل من الأردن هو يعاني من الصداع وأنا أعاني أيضا من الصداع ، ومن يفتك به الألم ..تأكدوا أن الصمت أو النوم هو أفضل ما يواجه به الحالة ...