facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التعديل الوزاري .. عندما يتغيّر اللاعبون ويبقى النادي مغلقًا


د. محمد بني سلامة
25-06-2026 10:07 PM

كلما ارتفع الحديث عن تعديل وزاري على حكومة الدكتور جعفر حسان، امتلأت الصالونات السياسية بالتوقعات والتحليلات، ثم لا يلبث هذا الحديث أن يخبو ويختفي، قبل أن يعود مجددًا مع أول إشاعة أو تسريب. وكأن التعديل الوزاري في الأردن أصبح موسمًا سياسيًا يتكرر، أكثر منه مشروعًا للإصلاح أو فرصة لتجديد الإدارة العامة.

في الدول التي تؤمن بالديمقراطية الحديثة، لا يُنظر إلى التعديل الوزاري باعتباره مجرد استبدال أسماء بأسماء، بل باعتباره آلية لضخ دماء جديدة، وتجديد النخب، وفتح المجال العام أمام الكفاءات والخبرات، بما يضمن تداول النخبة السياسية وعدم احتكار السلطة من قبل دائرة ضيقة من الأشخاص. أما في حالتنا، فإن المشهد يبدو مختلفًا إلى حد يدعو للسخرية؛ إذ كثيرًا ما يخرج الوزير من الباب في تعديل وزاري، ثم يعود بعد أشهر أو سنوات من النافذة في حكومة جديدة، وكأن الدولة لم تنجب طوال هذه المدة سوى الأسماء ذاتها.

ولو كانت هذه العودة المتكررة نتيجة سجل استثنائي من الإنجازات، لكان الأمر مفهومًا. لكن المفارقة أن بعض العائدين خرجوا أصلًا بسبب ضعف الأداء أو غياب الإنجاز، ثم يعودون لاحقًا وكأن شيئًا لم يكن، في مشهد يجعل المسؤولية العامة أقرب إلى "نظام المناوبات" منها إلى مبدأ المحاسبة السياسية.

هذه الظاهرة لا تقتصر على الحكومات وحدها، بل تمتد إلى كثير من المواقع العامة في الدولة؛ من مجالس الأعيان إلى مجالس إدارات المؤسسات والهيئات الرسمية، حيث تتكرر الأسماء نفسها بصورة تكاد توحي بأن الوطن يعاني أزمة في الكفاءات، بينما الحقيقة أن الأردن يزخر بآلاف الخبرات الوطنية التي لم تتح لها فرصة الاقتراب من "نادي النخبة" المغلق.

إن أخطر ما تكشفه هذه الحالة هو أن تداول المواقع لا يعني بالضرورة تداول النخب. فالوجوه قد تتبدل شكليًا، لكن الدائرة تبقى هي نفسها، تدور داخلها الأسماء ذاتها، بينما يبقى المجال العام مغلقًا أمام أجيال جديدة تمتلك العلم والخبرة والرؤية المختلفة.

ولعل المثال الأكثر وضوحًا هو التمثيل المحدود جدًا للأكاديميين في مواقع صنع القرار. فالأردن يضم جامعات مرموقة وعشرات الأساتذة والباحثين الذين راكموا خبرات علمية وعملية محلية ودولية، ومع ذلك نادرًا ما نجدهم في الحكومات أو مجلس الأعيان أو مجالس إدارات المؤسسات الوطنية. وكأن الشهادة العلمية والخبرة البحثية أصبحتا أقل قيمة من عضوية النادي غير المعلن للنخبة التقليدية.

لقد تناولت دراسات علم السياسة، ومنها دراسات حول تداول النخبة السياسية في البرلمان الأردني، هذه الظاهرة بوصفها أحد المؤشرات على محدودية تجدد النخب واستمرار هيمنة دوائر بعينها على مواقع القرار، بما يحد من فرص التجديد المؤسسي والاستفادة من الطاقات الوطنية الجديدة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيخرج من الحكومة؟ ومن سيدخل إليها؟ بل: هل ستتغير فلسفة اختيار المسؤولين أصلًا؟ وهل ستفتح أبواب الدولة أمام الكفاءة والإنجاز والتنوع، أم سيبقى التغيير مجرد إعادة توزيع للمقاعد داخل النادي نفسه؟

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير أسماء الوزراء، وإنما بتغيير قواعد اختيارهم. فالوطن لا يحتاج إلى تدوير الأشخاص بقدر ما يحتاج إلى تدوير الفرص. ولا يحتاج إلى إعادة إنتاج النخبة ذاتها، بل إلى كسر احتكارها للمجال العام.

ولهذا، فإن التفاؤل بأي تعديل وزاري سيبقى محدودًا، ما لم يصبح تداول النخبة واقعًا حقيقيًا لا شعارًا سياسيًا، وما لم يشعر الأردنيون أن أبواب المسؤولية العامة مفتوحة أمام كل صاحب كفاءة ونزاهة، لا أمام من يحمل بطاقة العضوية الدائمة في نادي النخبة المغلق. فالأوطان تتقدم عندما تتجدد عقولها، لا عندما تتكرر أسماؤها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :