إنتاجية الجهاز العام في الأردن: كيف يتحول الانضباط المؤسسي إلى نمو اقتصادي؟
د. حمد الكساسبة
27-06-2026 06:01 PM
تزداد أهمية الحديث عن إنتاجية الجهاز العام في الأردن كلما اتسعت الحاجة إلى نمو اقتصادي أسرع وخدمات أكثر كفاءة، من دون زيادة كبيرة في كلفة الدولة أو أعبائها المالية. فالدولة لا تُقاس فقط بحجم مؤسساتها أو عدد العاملين فيها، بل بقدرتها على تحويل الموارد المتاحة إلى خدمة أفضل، وقرار أسرع، وبيئة أعمال أكثر وضوحاً. ومن هنا، لم تعد إنتاجية الجهاز العام قضية إدارية داخلية، بل أصبحت جزءاً مباشراً من قدرة الاقتصاد على النمو وخلق فرص العمل.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا النقاش على أنه مقارنة مباشرة أو مفاضلة بين مؤسسات الدولة. فالجهاز المدني من جهة، والمؤسسات ذات الطابع العسكري والأمني من جهة أخرى، لكل منها طبيعة عملها ورسالتها ومخرجاتها. غير أن هناك قيماً إدارية مشتركة يمكن أن ترفع كفاءة العمل العام كله، مثل وضوح المسؤولية، والانضباط في التنفيذ، وسرعة الاستجابة، وقياس النتائج. وكلما اقتربت الإدارة العامة من هذه القيم، أصبحت أكثر قدرة على خدمة المواطن والمستثمر، وأكثر تأثيراً في دعم النشاط الاقتصادي.
في المؤسسات ذات الطابع العسكري والأمني، تظهر قوة التنظيم من خلال وضوح المهمة، وتسلسل القرار، والتدريب المستمر، والمتابعة اليومية للأداء. وهذه العناصر تجعل العمل أكثر انتظاماً، وتساعد على سرعة التعامل مع الملفات التي تحتاج إلى جاهزية وحسن إدارة. وتسهم هذه المؤسسات في توفير الأمن والاستقرار العام، وهو شرط أساسي لاستمرار النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمار. غير أن الاستقرار الاقتصادي لا يكتمل بالبعد الأمني وحده، بل يحتاج أيضاً إلى استقرار مالي ونقدي تدعمه سياسات منضبطة تحفظ الثقة، وتحد من الاختلالات، وتوفر بيئة أكثر وضوحاً للقطاع الخاص.
أما الجهاز المدني، فهو الواجهة الأوسع للدولة في حياة الناس والاقتصاد. فمن خلاله تمر خدمات التعليم والصحة، والتراخيص، والضرائب، والجمارك، والأراضي، والبلديات، والخدمات الرقمية، وشؤون الاستثمار. لذلك فإن أي بطء في هذه المجالات لا يبقى داخل المكاتب، بل ينتقل أثره إلى المواطن والشركة والمستثمر. فالمعاملة المتأخرة تعني وقتاً ضائعاً، والإجراء المعقد يعني كلفة إضافية، وغياب الوضوح يعني تردداً في اتخاذ القرار الاقتصادي.
ولهذا، فإن تحسين إنتاجية الجهاز المدني لا يبدأ من تحميل الموظف وحده مسؤولية ضعف الأداء، بل من إصلاح بيئة العمل التي يعمل داخلها. فقد يكون الموظف مؤهلاً وقادراً، لكنه يعمل ضمن إجراءات طويلة، أو أنظمة غير مترابطة، أو صلاحيات متداخلة، أو حوافز لا ترتبط بالإنجاز. وعندما تكون البيئة المؤسسية بطيئة أو معقدة، فإن إنتاجية الفرد تتراجع مهما امتلك من خبرة. لذلك يبدأ الإصلاح من تبسيط الإجراءات، وتحديد المسؤوليات، وربط الأداء بالنتائج.
وإذا تحسنت إنتاجية الجهاز المدني واقتربت من روح الانضباط وسرعة الإنجاز الموجودة في المؤسسات الأكثر تنظيماً، فإن الأثر على الاقتصاد سيكون مباشراً.
فاختصار زمن الترخيص يعني أن المشاريع تبدأ أسرع، وتبسيط الإجراءات يعني كلفة أقل على الشركات والمواطنين، وربط البيانات بين المؤسسات يعني قرارات أدق، ورقمنة الخدمة من بدايتها إلى نهايتها تعني وقتاً أقل وثقة أعلى. وبهذا تصبح الإدارة المدنية جزءاً من عملية الإنتاج الاقتصادي، لا مجرد جهاز يقدم خدمة عند الطلب.
ومن هنا يظهر الرابط بين إنتاجية الإدارة العامة والناتج المحلي. فالنمو يتحقق عندما يجتمع الاستقرار الأمني، والاستقرار المالي والنقدي، مع إدارة مدنية كفؤة قادرة على تحويل هذه البيئة المستقرة إلى استثمار وخدمات ونشاط إنتاجي. وكل تحسن في الخدمة العامة يخفض كلفة الأعمال، ويسرّع حركة رأس المال، ويفتح المجال أمام الشركات للتوسع والتشغيل.
ولكي لا يبقى الحديث عن الإنتاجية عاماً، يجب ربطه بمؤشرات واضحة قابلة للقياس. ومن هذه المؤشرات: متوسط زمن إنجاز المعاملة، وكلفة الخدمة الواحدة، وعدد الخدمات المنجزة لكل موظف، ونسبة الخدمات الرقمية المكتملة، ومدة إصدار الرخص، ورضا المواطن والمستثمر، وعدد المشاريع التي انتقلت من الموافقة إلى التنفيذ. وعندما تصبح هذه المؤشرات جزءاً من تقييم المؤسسات، تتحول الإدارة من منظومة إجراءات إلى منظومة نتائج.
وفي النهاية، فإن قوة الدولة لا تقوم فقط على قدرتها على حفظ الأمن والاستقرار، ولا على قدرتها على إدارة التوازن المالي والنقدي فحسب، بل على قدرتها أيضاً على تحويل هذه البيئة المستقرة إلى إنتاج ونمو وفرص عمل. فالمؤسسات ذات الطابع العسكري والأمني توفر البيئة الآمنة، والسياسات المالية والنقدية تحفظ الثقة والتوازن، أما الجهاز المدني فهو المسؤول عن تحويل ذلك إلى خدمات أسرع، واستثمار أسهل، ونشاط اقتصادي أوسع. فإذا استطاع الأردن رفع إنتاجية جهازه المدني من خلال تبسيط الإجراءات، والرقمنة الحقيقية، ووضوح المسؤولية، فإن الأثر سينعكس على الناتج المحلي، وثقة المستثمرين، وجودة الخدمات، وقدرة الاقتصاد على النمو ضمن موارده المتاحة.