لم يكن العجز في الميزان التجاري خلال الثلث الأول من عام 2026 مفاجئًا، فهو تحدٍ اعتاد الاقتصاد الأردني مواجهته على مدى سنوات. إلا أن تراجع هذا العجز هذه المرة يحمل دلالات إيجابية مختلفة، إذ يعكس بداية مرحلة جديدة من التحسن التدريجي في أداء الاقتصاد الوطني، مدفوعة بارتفاع الصادرات الوطنية واتساع حضور المنتج الأردني في الأسواق الإقليمية والعالمية. ويعزز هذا التحسن الثقة بقدرة القطاع الصناعي على قيادة النمو الاقتصادي، وتحسين ميزان التجارة الخارجية، وتقليص الفجوة بين الصادرات والمستوردات بصورة تدريجية ومستدامة.
فبعد سنوات من الضغوط الاقتصادية، تؤكد المؤشرات أن القطاع الصناعي بات يؤدي دورًا أكثر تأثيرًا في تعزيز النمو الاقتصادي وتحسين مؤشرات التجارة الخارجية، بما يمهد لمرحلة أكثر توازنًا واستدامة في الاقتصاد الوطني.
يشكل الميزان التجاري أحد أهم المؤشرات الاقتصادية التي تعكس أداء الاقتصاد الوطني وقدرته على المنافسة في الأسواق العالمية، إذ يمثل الفرق بين قيمة الصادرات والواردات. وعندما تتجاوز قيمة المستوردات قيمة الصادرات ينشأ ما يعرف بالعجز التجاري، في حين يعد انخفاض هذا العجز مؤشراً إيجابياً على تحسن النشاط الإنتاجي والتصديري وزيادة قدرة الاقتصاد على توفير العملات الأجنبية ودعم النمو الاقتصادي .
تُغطَّى المشتريات من العملات الأجنبية من خلال احتياطيات البنك المركزي، التي تُبنى على تدفقات النقد الأجنبي الواردة إلى الاقتصاد الوطني. وتأتي هذه التدفقات من عدة مصادر رئيسية، أبرزها حوالات العاملين الأردنيين في الخارج، وإيرادات قطاع السياحة، وحصيلة الصادرات الوطنية من السلع والخدمات، إلى جانب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والمنح الخارجية وغيرها . وتشكل هذه الموارد ركيزة أساسية في تعزيز احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، بما يسهم في تمويل المستوردات، والحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار.
انخفاض العجز التجاري بنسبة 13.4% ،يعد مؤشرًا على بدء معالجة أحد أبرز الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الأردني، والمتمثل في اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك. فقد ساهم ارتفاع الصادرات الوطنية بنسبة 7.3% لتصل إلى 2.956 مليار دينار، ونمو الصادرات الكلية بنسبة 9%، إلى جانب تراجع المستوردات بنسبة 1.5%، في رفع نسبة تغطية الصادرات للمستوردات إلى 59% ، وهو ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في كفاءة الاقتصاد وقدرته على الاعتماد بصورة أكبر على الإنتاج والتصدير.
لطالما كانت فاتورة مستوردات النفط الخام ومشتقاته العامل الأكثر تأثيرًا في اتساع أو انحسار العجز التجاري، إذ كان ارتفاع أسعار الطاقة العالمية ينعكس مباشرة على قيمة المستوردات، وبالتالي على حجم العجز، مع افتراض ثبات بقية العوامل الاقتصادية. إلا أن المؤشرات الحالية تكشف تحولًا لافتًا في هذه المعادلة؛ فرغم ارتفاع فاتورة مستوردات النفط الخام ومشتقاته إلى نحو 1.255 مليار دينار، بزيادة بلغت 30.6%، وهو ما شكّل ضغطًا إضافيًا على الميزان التجاري ، نجح الاقتصاد الوطني في تقليص العجز التجاري. ويعكس ذلك الدور المتنامي للصادرات الوطنية في موازنة أثر ارتفاع فاتورة الطاقة، ويؤكد أن القطاع الصناعي بات يشكل ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواجهة التقلبات العالمية.
ثلاثة عوامل رئيسية أسهمت في تعزيز تراجع العجز في الميزان التجاري ؛ أولها الارتفاع اللافت في صادرات البوتاس الخام بنسبة 44.7%، وثانيها النمو القوي للصادرات إلى السوق السورية بنسبة 38.4%، وثالثها القفزة الكبيرة في الصادرات إلى دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 49.3%. وتعكس هذه المؤشرات تحسنًا في تنافسية المنتج الأردني، ونجاحًا في تنويع الأسواق التصديرية، بما يدعم مسار الصادرات الوطنية ويعزز قدرتها على تقليص فجوة العجز التجاري .
إن ما تحقق خلال الأشهر الأولى من العام الجاري يؤكد أن الأردن يمتلك مقومات حقيقية لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، وأن رؤية التحديث الاقتصادي بدأت تنعكس على أرض الواقع من خلال تعزيز دور الصناعة والتصدير، بما يرسخ مكانة المملكة كمركز صناعي وتصديري في المنطقة.