حين يمتلك المسؤول الفكرة .. ولا يملك توقيت تنفيذها
معتز عبدالقادر عساف
27-06-2026 06:22 PM
لفت انتباهي مؤخرًا مقالٌ منشور لأحد الشخصيات الوطنية التي تقلدت مناصب قيادية مهمة في مجال الإصلاح والتطوير الإداري، استعرض فيه مجموعة من الأفكار والمقترحات التي يرى أنها تسهم في تطوير الأداء الحكومي والارتقاء بالإدارة العامة.
ولا شك أن ما طرحه يستحق القراءة والتأمل، وأن كثيرًا من تلك الأفكار يحمل قيمة حقيقية. إلا أن ما استوقفني لم يكن مضمون المقال بقدر ما كان توقيت طرحه.
فصاحب المقال كان في مرحلة من المراحل يتولى مسؤولية قيادية، ويشغل موقعًا يتيح له الإسهام المباشر في صناعة القرار وقيادة التغيير. ومن هنا برز سؤال مشروع: لماذا تظهر كثير من الأفكار الإصلاحية بعد مغادرة المنصب، وليس أثناء وجود صاحبها في موقع المسؤولية؟
ولست أطرح هذا السؤال انتقاصًا من تجربة أحد، ولا تشكيكًا في نواياه، فالإصلاح عملية معقدة، وتواجهها تحديات ومحددات لا يمكن إنكارها. لكن الحديث هنا عن ظاهرة تتكرر، لا عن شخص بعينه.
ففي الأردن، اعتدنا أن نقرأ بعد انتهاء ولاية المسؤول مقالات ومحاضرات ومقابلات مليئة بالرؤى والتوصيات، حتى يكاد القارئ يشعر أن حلولًا كثيرة كانت معروفة، لكنها لم تُطرح إلا بعد مغادرة أصحابها مواقع القرار. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا يزدهر التفكير الإصلاحي بعد المنصب أكثر مما يزدهر أثناءه؟
وربما الأهم من ملاحظة الظاهرة هو محاولة فهمها. فما الذي يجعل مسؤولًا يمتلك الخبرة والرؤية لا يقدم أفضل ما لديه إلا بعد مغادرة المنصب؟ وما الذي يتغير بين الأمس واليوم؟
هل هي البيروقراطية التي تجعل المبادرات تصطدم بإجراءات معقدة؟ أم الخوف من تحمل مسؤولية قرار قد لا ينجح؟ وإذا كان الأمر كذلك، فممّ الخوف؟ هل هو الخوف من النقد؟ أم من المساءلة؟ أم من مقاومة أصحاب المصالح الذين يرون في أي إصلاح تهديدًا لمكتسباتهم؟ أم أن المسؤول يخشى أن يكون النجاح نفسه سببًا في خلق خصومات أو صراعات داخل المؤسسة؟
أم أن السبب يكمن في ثقافة إدارية ترسخت عبر السنوات، فأصبح المسؤول يفضل المحافظة على الواقع بدلاً من تغييره، ويبحث عن القرار الآمن أكثر من القرار الصحيح؟ وربما يكون ضغط الملفات اليومية وإدارة الأزمات قد سلبه الوقت والطاقة للتفكير الاستراتيجي، فتحول من قائد يصنع المستقبل إلى مدير ينشغل بالحاضر.
وهناك احتمال آخر لا يقل أهمية، وهو غياب الحوافز التي تشجع على المبادرة. فالمسؤول قد يتساءل: لماذا أخاطر وأتخذ قرارات جريئة إذا كان النجاح يُعد واجبًا، بينما قد يؤدي أي تعثر، ولو كان نتيجة تجربة إصلاحية، إلى نقد واسع أو مساءلة قاسية؟ في مثل هذه البيئة تصبح المحافظة على الوضع القائم أكثر أمانًا من السعي إلى التغيير.
وربما تكون الحقيقة أن المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، ولا في المنظومة وحدها، بل في العلاقة بينهما. فقد يكون لدينا مسؤولون يمتلكون الرؤية، لكنهم يعملون داخل بيئة لا تشجع المبادرة، أو لا تمنحهم المساحة الكافية لاتخاذ قرارات جريئة، أو تجعل تكلفة الإصلاح أعلى من تكلفة الجمود.
لكن، وفي المقابل، يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: إذا كان المسؤول يدرك هذه القيود، أليس من واجبه أن يحاول تجاوزها بقدر ما يستطيع؟ أليست القيادة الحقيقية هي القدرة على صناعة التغيير رغم التحديات، لا الاكتفاء بوصفها بعد انتهاء المسؤولية؟
إن قيمة المسؤول لا تُقاس بعدد المقالات التي يكتبها بعد المنصب، ولا بعدد الندوات التي يتحدث فيها عن الإصلاح، وإنما بما استطاع أن يحققه وهو في موقع المسؤولية. فالأفكار لا تصنع الفرق بمجرد طرحها، بل عندما تتحول إلى سياسات، وإجراءات، ونتائج يلمسها الناس.
ولعلنا بحاجة إلى ثقافة إدارية جديدة، لا تجعل التنظير مرحلة تلي المسؤولية، بل تجعل التنفيذ جوهرها. فالرؤى تبقى مهمة في كل وقت، لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تُطرح في اللحظة التي يستطيع صاحبها فيها أن يحولها إلى واقع.
وأختم بسؤال أعتقد أنه يستحق أن يكون محور نقاش وطني واسع: هل المشكلة في الأشخاص، أم في المنظومة؟ وهل نحن بحاجة إلى مسؤولين أكثر جرأة، أم إلى بيئة مؤسسية تمنحهم مساحة الجرأة، وتحميهم عندما يجتهدون، وتحاسبهم عندما يقصرون؟
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بعد مغادرة المنصب… بل يبدأ في اليوم الأول لتولي المسؤولية.