مطلوب أردني يبتسم دون أن يقدم اعتذاراً !!
الدكتور محمد العشي
28-06-2026 08:39 AM
في لحظة تاريخية يعيشها الأردنيون بكل فخر، وبينما تتجه أنظار الملايين إلى مشاركة "النشامى" في كأس العالم، لم يكن المشهد الرياضي وحده هو ما استوقفني، بل ذلك السؤال الذي يتكرر مع كل مناسبة وطنية أو إنجاز جماعي: لماذا يستكثر البعض على الأردنيين أن يفرحوا؟
أن نرى علم الأردن يرفرف في أكبر محفل كروي في العالم، وأن نشاهد منتخبنا الوطني يقف بثقة أمام منتخبات صنعت تاريخ كرة القدم، ليس مجرد حدث رياضي عابر، ولا تقاس قيمته بنتيجة مباراة أو عدد الأهداف. إنه إنجاز وطني يعكس سنوات من العمل والإصرار، ويمنح الأردنيين لحظة يستحقون أن يلتفوا حولها بكل فخر.
لكن، وكما اعتدنا في كل مناسبة تحمل بصيص أمل أو لحظة فرح، يظهر من يحاول إطفاء ذلك الضوء، وكأن الابتسامة تحتاج إلى إذن، وكأن الانتماء لا يُقبل إلا إذا كان مغموسًا بالحزن، وكأن الفرح أصبح أمرًا يجب تبريره أو الاعتذار عنه.
لا أحد ينكر أن الأردن يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية ومعيشية، وأن المواطن الأردني يحمل على كتفيه أعباءً ليست بالهينة. لكن، هل يعني ذلك أن نصادر حق الناس في أن يبتسموا، وأن يهتفوا لمنتخبهم، وأن يعيشوا لحظة وطنية تجمعهم على قلب واحد؟ وهل أصبح الفرح يتعارض مع الوعي، أو الوطنية، أو الإحساس بالمسؤولية؟
الأردني ليس شعبًا يبحث عن الاحتفال في كل يوم، بل هو شعب اعتاد أن يتحمل المسؤولية قبل أن يبحث عن الفرح، وأن يصبر أكثر مما يشتكي. ولذلك، عندما تأتي لحظة تستحق أن تُعاش، فمن حقه أن يعيشها كاملة، دون أن يشعر بالذنب، ودون أن يُتهم بالمبالغة أو الهروب من الواقع.
وليس الأمر مقتصرًا على الرياضة وحدها. ففي كل عيد وطني، وكل إنجاز علمي، وكل نجاح يحققه شاب أو شابة أردنيان، وكل مناسبة تجمع الناس على المحبة، يظهر من يقلل من قيمة الحدث، أو يربطه بالأزمات، أو يحاول أن يقنع الآخرين بأن الفرح ترف لا يليق بواقعهم، وكأن الأمل يجب أن يبقى مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
إن أكثر ما تحتاجه الشعوب في الأوقات الصعبة ليس المزيد من الإحباط، بل جرعة من الأمل. فالفرح لا يلغي المسؤولية، كما أن المسؤولية لا تعني العيش في عبوس دائم. بل على العكس، فإن المجتمعات التي تحافظ على تماسكها هي تلك التي تعرف كيف توازن بين مواجهة التحديات والاحتفاء بلحظات النجاح، لأن الفرح المشترك يعزز الانتماء، ويجدد العزيمة، ويمنح الناس الطاقة لمواصلة العمل والبناء.
لا تجعلوا من كل ابتسامة قضية، ولا من كل احتفال محل اتهام. دعوا الأردنيين يفرحون، ويهتفون للنشامى في المدرجات وخلف الشاشات، ويلتفون حول كل إنجاز يرفع اسم وطنهم عاليًا. فحب الوطن لا يُقاس بملامح الحزن، ولا يُثبت بحرمان الناس من لحظات سعادتهم.
وربما علينا اليوم، ونحن نرى هذا المشهد الوطني الجميل، أن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا أصبح بعضنا ينزعج من ابتسامة الآخرين أكثر مما ينزعج من أسباب الحزن نفسها؟
إن الأوطان لا تُبنى بالحزن وحده، ولا تصنعها لغة التشاؤم المستمر. فالأردن الذي واجه التحديات عبر عقود، لم يكن يومًا وطنًا يصنعه اليأس، بل وطنًا يصنعه الأمل، وتبنيه سواعد أبنائه، وتوحده لحظات الفخر التي تجمعهم تحت راية واحدة.
ومن يحب هذا الوطن حقًا، لا يضيق بفرحة أبنائه، بل يشاركهم فيها... لأن الفرح ليس نقيض الوطنية، بل أحد أجمل تعبيراتها.