الخروقات ليست نهاية الهدنة .. بل بداية معركة الشروط
صالح الشرّاب العبادي
28-06-2026 08:43 AM
منذ الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، ساد انطباع بأن المنطقة دخلت مرحلة تهدئة قد تقود إلى اتفاق نهائي ينهي واحدة من أخطر المواجهات الإقليمية في العقود الأخيرة ، إلا أن الخروقات التي شهدتها الأيام الأخيرة، سواء في جنوب لبنان أو في الملفات المرتبطة بالملاحة والأمن الإقليمي، أعادت طرح سؤال جوهري: هل بدأت الهدنة بالتآكل، أم أن ما يجري يمثل جزءًا طبيعيًا من مرحلة التفاوض على القضايا الكبرى؟
القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن ما يحدث لا يعني بالضرورة انهيار الهدنة، بل يعكس انتقال الصراع من الميدان العسكري إلى ميدان التفاوض السياسي. فالمذكرة الموقعة ليست اتفاق سلام نهائيًا، وإنما إطار أولي أوقف المواجهة وفتح باب المفاوضات لمدة ستين يومًا، فيما أُرجئت الملفات الأكثر تعقيدًا إلى هذه المرحلة.
وهنا تكمن نقطة الاختبار الحقيقية.
فكلما اقتربت المفاوضات من الملفات السيادية، ارتفعت احتمالات التوتر وازدادت الخروقات الميدانية، لأن القضايا المطروحة تمس جوهر الأمن القومي للطرفين، وتشمل مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وآليات رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومستويات تخصيب اليورانيوم، والعقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وحرية تصدير النفط، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى الترتيبات الإقليمية الخاصة بإدارة الملاحة والتنسيق البحري.
ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن استمرار العمليات العسكرية في جنوب لبنان لا ينسجم مع روح مذكرة التفاهم التي نصت على وقف الأعمال العسكرية على مختلف الجبهات، كما ترى طهران أن أي تأخير في تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالملاحة أو تخفيف القيود الاقتصادية يضعف الثقة المتبادلة ويؤثر في مسار تنفيذ الاتفاق ، وبذلك تجد أن ورقة مضيق هرمز هي الورقة الوحيدة المتاحة بأبسط الطرق لإغلاقه في اي وقت تشاء ككرت احمر تخرجه ايران عند الحاجة ..
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى أي تحركات إيرانية أو تحركات تقوم بها الفصائل الحليفة لطهران باعتبارها اختبارًا مبكرًا لجدية الالتزام بالتفاهمات، وتؤكد أن نجاح الاتفاق النهائي مرهون بإمكانية التحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية والنووية.
أما على الساحة اللبنانية، فقد برز مسار تفاوضي منفصل برعاية أمريكية بين لبنان وإسرائيل، يركز على الترتيبات الأمنية في الجنوب، وحصر استخدام القوة بيد الدولة اللبنانية، وربط إعادة الإعمار بآليات رقابية صارمة. وفي المقابل، يرفض حزب الله نزع سلاحه بصورة شاملة، ويؤكد أن أي ترتيبات تتعلق بالسلاح تقتصر على جنوب لبنان، وليس على جميع الأراضي اللبنانية، وهو ما يجعل هذا الملف أحد أكثر ملفات المرحلة المقبلة تعقيدًا، هذا الاتفاق الذي تراه اسرائيل نجاحاً في فصل ملف لبنان عن الاتفاقية بين امريكا وايران، وانها نجحت في ذلك ونجحت بالبقاء في جنوب لبنان حتى تنفذ شروط السيطرة للجيش اللبناني على الجنوب ونزع السلاح من حرب الله وهذا ما سيطول أمده حتى يتم تنفيذه ،،
وبذلك، لم يعد الخلاف يدور حول مبدأ الهدنة ذاته، وإنما حول تفسير بنودها، وتسلسل تنفيذها، والضمانات المطلوبة لكل طرف. فكل طرف يسعى إلى الوصول إلى طاولة المفاوضات وهو يمتلك أكبر قدر ممكن من أوراق القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية.
لذلك، فإن الخروقات الحالية قد لا تكون مقدمة لعودة الحرب الشاملة، بقدر ما تمثل وسيلة لتحسين شروط التفاوض قبل الانتقال إلى القضايا النهائية. وهذه سمة معروفة في المفاوضات الاستراتيجية الكبرى، حيث ترتفع الضغوط كلما اقتربت الأطراف من اتخاذ القرارات الأكثر حساسية.
وعليه، فإن مستقبل الهدنة لن يتحدد بعدد الخروقات التي تقع، بل بقدرة الولايات المتحدة وإيران على احتوائها ومنعها من تقويض العملية التفاوضية. فإذا نجحت المفاوضات في تضييق فجوة الخلاف حول القضايا الجوهرية، فقد تبقى هذه الخروقات ضمن حدود الاحتواء. أما إذا تعثرت المفاوضات أو فشلت في معالجة الملفات الأساسية، فقد تتحول تلك الخروقات إلى شرارة تعيد المنطقة إلى دورة جديدة من التصعيد.
إن معركة المرحلة المقبلة لم تعد معركة صواريخ وطائرات فقط، بل أصبحت معركة شروط، وضمانات، وآليات تنفيذ، وتفسيرات قانونية وسياسية. ولهذا، فإن ما يجري على الأرض لا يمكن فصله عما يجري على طاولة التفاوض، لأن نجاح أحد المسارين سيحدد مصير الآخر.