متحف الأردن .. 20 عاماً من الانتظار .. أين دوره في السردية الوطنية؟
بلال ابوقريق خريسات
28-06-2026 09:13 AM
حين تحمل مؤسسة اسم "متحف الأردن" فإنها لا تمثل مبنى يضم قطعاً أثرية فحسب، بل تحمل مسؤولية وطن بأكمله. فهي المتحف الوطني للمملكة، والمكان الذي يفترض أن يحفظ ذاكرة الأردن، ويروي قصته للأردنيين قبل أن يرويها للعالم، ويكون المرجع الأول في ترسيخ الهوية الوطنية وصناعة الوعي بتاريخ الدولة وحضارتها.
لكن، ومع تصاعد الحديث الرسمي عن السردية الوطنية بوصفها مشروعاً استراتيجياً للدولة، يبرز سؤال يصعب تجاوزه: أين يقف متحف الأردن من هذا المشروع؟ وهل يؤدي الدور الذي ينسجم مع مكانته واسمه؟
قبل أيام، نُشر تقرير مصور بمناسبة مرور عشرين عاماً على افتتاح المتحف، تضمن استطلاعاً لآراء مواطنين في محيط المتحف حول معرفتهم به وما إذا سبق لهم زيارته. ولم يكن التقرير حكماً على المؤسسة، لكنه طرح أسئلة تستحق التوقف عندها: كيف يمكن أن يمضي عقدان على افتتاح أكبر متحف وطني في المملكة، وما يزال كثير من الأردنيين لا يعرفونه أو لم يسبق لهم زيارته؟ وإذا لم تكن المشكلة في الزمن، فأين تكمن؟
إن غياب المؤسسات التي تحمل اسم الوطن عن المشهد الوطني غياب غير مبرر. فحين تحمل المؤسسة اسم "الأردن" تصبح مطالبة بأن تكون حاضرة في وجدان الأردنيين أولاً، وأن تؤدي دورها داخل الوطن قبل أي شيء آخر. فالأولوية ليست في الظهور الخارجي أو أداء أدوار تدخل في اختصاص مؤسسات أخرى، مثل الترويج السياحي الذي تتولاه الجهات المعنية، بل في بناء المعرفة الوطنية، وتعزيز الهوية، وربط المواطن بتاريخ بلده وذاكرته.
فالسردية الوطنية لا تُبنى بالوثائق وحدها، ولا تحفظها قاعات العرض الصامتة، بل تصنعها المؤسسات الحاضرة في حياة الناس؛ عبر المدارس والجامعات، والإعلام، والبرامج الثقافية، والمعارض المتنقلة، والإنتاج المعرفي، والمبادرات التي تجعل المتحف جزءاً من الحياة اليومية للأردنيين.
المطلوب اليوم من متحف الأردن أن يلتفت إلى المشهد الوطني، وأن يجعل إنجازاته الحقيقية تُقاس بما يقدمه للأردنيين داخل الأردن. فليس من مهمته أن يتقدم إلى أدوار هي من اختصاص مؤسسات أخرى، كالترويج السياحي الذي تتولاه الجهات المعنية، وإنما أن ينجح أولاً في أداء رسالته الوطنية التي أُنشئ من أجلها، وأن يكون الحاضر الأبرز في مشروع السردية الوطنية، لأن بناء الوعي يبدأ من الداخل، ومن ثم ينطلق إلى العالم. فالمتحف الذي ينجح في صناعة أثره داخل وطنه، سيكون أقدر على تمثيل وطنه خارجه.
ليس المطلوب من متحف الأردن أن يحل محل هيئة تنشيط السياحة أو وزارة السياحة والآثار، فلكل مؤسسة رسالتها واختصاصها، وإنما أن يقود رسالته الوطنية التي أُنشئ من أجلها: أن يكون بيت الذاكرة الأردنية، ومنصة السردية الوطنية، والجسر الذي يصل الأجيال بتاريخها. وعندما ينجح في أداء هذا الدور داخل الأردن، فإنه سيصبح تلقائياً أحد أفضل سفراء الوطن إلى العالم، لأن المؤسسات التي تنطلق من خدمة مجتمعها هي الأقدر على تمثيل وطنها في الخارج.
إن النقد هنا لا ينتقص من قيمة المتحف، بل ينطلق من الإيمان بأهميته. فالمؤسسات الوطنية الكبيرة تُقاس بحجم تأثيرها في مجتمعها، لا بحجم مبانيها. وبعد عشرين عاماً، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة جادة تعيد لمتحف الأردن مكانه الطبيعي في قلب المشروع الوطني، لأن الذاكرة التي لا تصل إلى أهلها تبقى ذاكرة ناقصة، ولأن المؤسسة التي تحمل اسم الأردن تستحق أن تكون حاضرة في كل بيت أردني، لا أن يقتصر حضورها على قاعات العرض والمناسبات.
إن متحف الأردن ليس مجرد مؤسسة ثقافية، بل أحد أهم عناوين الذاكرة الوطنية. وحين يكون الوطن منشغلاً اليوم بترسيخ سرديته الوطنية وتعزيز هويته، فإن المكان الطبيعي للمتحف هو أن يكون في مقدمة هذا المشروع، شريكاً في صناعته، وقائداً لمبادراته، وحاضراً في تفاصيله اليومية، لأن الأوطان لا تحفظ ذاكرتها بالمباني، وإنما بالمؤسسات التي تؤمن برسالتها وتعيشها كل يوم.