أحد الفيلة الجالسة في الزاوية .. فهم السلوك الانساني وصناعة السياسات العامة
المهندسة تقى البدور
28-06-2026 11:07 PM
يعد اتخاذ القرار أحد أبرز المهام التي تناط في الحكومات أو أي مجموعة أو شخصي قيادي أو إداري، في حين تكمن مهمة أخرى ملاصقة لاتخاذ القرار و هي كيفية إيصاله للناس والتأثير بهم، وهذا بعد آخر ومهم في حلقة اتخاذ القرار.
بحيث يعتبر فهم السلوك الإنساني الذي يؤثر على قراراته وسلوكياته، أمراً جوهرياً في صناعة السياسات العامة، والتنبؤ في أثر الرسائل الحكومية.
و بالرغم من أن الحكومة الحالية تسعى بشكل عام بأن تتسم في انتهاجها أدوات لإشراك المواطنين في اتخاذ القرار في مختلف مراحل صناعته، سواءً في منهج تقييم الأثر التشريعي، أو حتى في تبني منصات الكترونية لإجراء مشاورات محددة المواضيع مربوطة في مدة معينة أو جمهور معين، في قضايا مثل تقليص عدد أيام الدوام الرسمي، أو مشاورات حول تشريعات معينة أو غيرها، فإننا ما زلنا في المرحلة التجريبية لكل ذلك، وهناك بالتأكيد الكثير مما يمكن عمله من حيث المأسسة واستخدام العلوم الحديثة واستشراف المستقبل.
وقبل افتراض أن طريقة ما ستؤثر في الناس و تغيّر من سلوكهم أو توجههم أو حتى رأيهم، هنالك جهد آخر يجب أن يجري خلف الكواليس و ينظر له بالكثير من الجدية والإتقان، وهو فهم دوافع الناس في سلوكياتهم وتوجهاتهم و رأيهم من البداية، وهو علم تختلط به العديد من العلوم و المسارات النظرية من علوم النفس و الاقتصاد، و السياسة و القيادة و الأنثروبولوجيا، و يتسم بالبيئة المتغيرة ووجود العديد من المؤثرات والمدخلات عيله بشكل مستمر، سواء متغيرات موسمية لحظية أو تقنية تكنولوجية، خارجية أو فردية أو حتى بتأثير من الآخرين في بناء التوجه العام وخصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقبل أن تفترض الحكومات أن المواطن يستجيب لكل الرسائل بمجرد نشرها، يجب أن نعي خطورة ذلك وأن صياغة الرسائل بكل أنواعها دون فهم الدوافع السلوكية هو هدر مالي و هدر للوقت والجهد، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية أو ما يعرف بالمقاومة النفسية، حيث يرفض الناس الرسالة لمجرد شعورهم بأنها تفرض عليهم فرضاً أو لا تحترم قيمهم. بل في صياغة رسائل تتسم بفهم القيمة من وراء التصرف، سلبية كانت أم ايجابية ومحاولة مخاطبة تلك القيمة عند الناس لتصل بعمق و فعالية، سواء أكانت تلك القيمة هي الخوف من العقاب أو كانت الانتماء والمسؤولية أو حتى الغضب و الاحتجاج و اللامبالاة أو النزعة للحرية المطلقة و الانتقام و غير ذلك من القيم التي تحرك السلوكيات عند الناس.
وفي نفس الوقت، لا تُحدث الرسائل الايجابية التأثير المطلوب دائماً، بحيث يبدأ التأثير من تآزر ثلاثة عوامل مع بعضها البعض، بدءاَ من قناعة الشخص بالفكرة، و النظرة الاجتماعية المحيطة به- مضيفين أثر مواقع التواصل الاجتماعي في ذلك- و ثالثاً وهو مدى سهولة تطبيق السلوك.
بحيث نقع كثيراً في وهم كفاية العامل الثالث- مدى سهولة التطبيق- الذي يعتبر بالرغم من أهميته التطبيقية لكنه البداية فقط و من أسهل ما يمكن عمله، ويتخلص في الخدمات المساندة لأية فكرة وهو الدور الحكومي التقليدي في توفير الخدمات، سواء كان ذلك بوجود استراتيجية أو سياسية أو تشريع، أو في ابتكار أدوات خدمية أو تطبيق إلكتروني أو حتى توزيع جيد ومناسب لسلات نفايات!
وبالرغم من وضوح كل ذلك نظرياً، إلا أننا ما زلنا غير مواكبين لتجارب دول عربية وأجنبية في صناعة السياسات العامة بناء على علم السلوك سواء في وجود فريق متخصص أو في فرق متخصصة داخل كل وزارة مثل فريق التحليل السلوكي أو مختبرات السلوك (The Behavioral Insights Team ) في بريطانيا و الإمارات، أو التجربة اليابانية مثلاً في ابتكار نموذج مركزي ومحلي لدمج علم السلوك في صناعة السياسات. و للمفارقة فإن فريق العلوم السلوكية (Behavioral Sciences Team) في اليابان يتبع لوزارة البيئة اليابانية، و يمتد محلياً ليدخل في العمل البلدي بشكل أعمق.
الأمر الذي يجسد شمولية العمل و تنوع الرسائل والتأثير والابتعاد عن الرسائل الموحدة بل المتكيفة بناء على قيم المجموعة المخاطبة بتغير العمر والاهتمام والأولويات وحتى في اختيار التوقيت المناسب.
وفي ذلك دعوة لابتكار النموذج الأردني الخاص بنا في فهم السلوك وبناء السياسات العامة و الرسائل الحكومية بناء عليه، و مأسسة ذلك الفرع المهم من بناء السياسات الفعالة وادماجه في كل العمل السياساتي. الأمر الذي يبعدنا عن فرضيات تهدر المال و الجهد وتقربنا من تكتيكات عمل مبنية على التعلم والتفهم وتتسم بفهم سلوك الناس قبل السعي لتغيير السلبي منه.