facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




توجيهي 2026 .. عندما تتحول بوابات المدارس إلى ثكنات للقلق الجمعي


فيصل تايه
30-06-2026 01:08 PM

​مع انطلاق قطار امتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" في كل عام، تبرز على السطح ظاهرة اجتماعية وتربوية تستدعي الوقوف عندها بالقراءة والتحليل الاستراتيجي، وهي ظاهرة تجمهر أولياء الأمور أمام بوابات المدارس وقاعات الامتحان.

إن هذا المشهد المتكرر، الذي يفترش فيه الآباء والأمهات الأرصفة تحت أشعة الشمس بملامح يملأها الوجل والترقب، ليس مجرد تعبير عفوّي عن عاطفة الأبوة والأمومة، بل هو في عمقه "أزمة بنيوية" وثقافة مجتمعية مأزومة تكشف عن حالة من القلق الجمعي المزمن، وتترجم رغبة غير واعية في فرض الوصاية الكاملة على الطالب، حتى وهو على عتبة الانتقال إلى رحاب استقلالية الفكر وبناء المستقبل.

​من الناحية التربوية، يكرس هذا السلوك في نفس الطالب نوعاً من "العجز المكتسب"؛ إذ يرسل إليه رسالة ضمنية مفادها أنه غير قادر على خوض معاركه المصيرية بمفرده دون إسناد فيزيائي مباشر يحرس مستقبله عند البوابات، وهو ما يتنافى بالمطلق مع فلسفة التربية الحديثة وقيمها الداعية لتنمية الاستقلال الذاتي. أما من الناحية النفسية، فإن هذا الاحتشاد يحول محيط المدرسة من بيئة أكاديمية تتطلب السكينة إلى ساحة مشحونة بذبذبات التوتر الارتدادي، مما يساهم في عملية إسقاط المخاوف الذاتية وعقد الإنجاز غير المحققة للآباء على الأبناء، وينسف أركان الاستقرار الذهني والعصبي الذي يحتاجه الطالب في أكثر لحظاته حرجاً.

​إن الخيط الرفيع بين "الدعم النفسي الفعّال" و"الحصار النفسي الخانق" يبدو غائباً في كثير من الحالات؛ فالدعم بمعناه التربوي والعلمي هو توفير بيئة آمنة تمنح الفرد شعوراً بالطمأنينة وتقبل النواتج أياً كانت، بينما الوجود الجسدي المكثف للأهالي خارج الأسوار يضخم من حجم الحدث في عين الطالب، ويحرمه من مرحلة "الانفصال النفسي الصحي" اللازمة لترتيب الأفكار والتركيز، لتتحول تلك العاطفة النبيلة إلى ضغط نفسي عكسي يكبله بمطالبة مبكرة بفاتورة النجاح تعويضاً عن عذاب انتظار والديه في الخارج.

ان هذا التوتر المحتشد لا يبقى خارج الأسوار، بل يتسلل مع الطالب إلى مقعد الامتحان ليحدث تشويشاً معرفياً كبيراً في ذاكرته العاملة، لا سيما في المواد الأساسية والعلمية التي تتطلب عمليات ذهنية عليا وتفكيراً مركباً؛ إذ يؤدي ارتفاع هرمونات القلق فيزيولوجياً إلى عرقلة استدعاء المعلومات، ليجد الطالب نفسه خائضاً لمعركتين في آن واحد: معركة مع ورقة الأسئلة، ومعركة صامتة مع ضميره وهو يتخيل ملامح والديه الواجفة خارج القاعة.

​وهنا نقف أمام تساؤل استراتيجي: لماذا ما زال المجتمع يعامل امتحان التوجيهي كعنق زجاجة ومعركة وجودية، رغم القفزات التطويرية المتسارعة التي تشهدها منظومتنا التعليمية من خلال إدخال مسارات تقنية وفنية دولية رائدة مثل نظام (BTEC) المطور، ورغم التحول الجذري في بنية سوق العمل العالمي؟ إن الإجابة تكمن في جمود الوعي الجمعي الذي ما زال أسيراً لثقافة "الوجاهة الاجتماعية التقليدية" والياقات البيضاء، والتي تربط قيمة الإنسان الإنسانية بمعدله الأكاديمي الرقمي واللقب الذي سيحمله، غافلاً عن الفجوة الحادة بين فلسفة التعليم الحديث المتجه صوب المهارة، والذكاء الاصطناعي، والابتكار، وبين النظرة الكلاسيكية الراكدة التي ترى في بعض التخصصات الجامعية المكدسة بوابة وحيدة للأمان الطبقي، ليتحول هذا الامتحان إلى صنم ثقافي يُعبد في محاريب الخوف المجتمعي.

إن الضغط غير المقصود يبدأ عندما تتحول لغة المنزل إلى حالة طوارئ مشدودة، وتتحول العبارات التحفيزية إلى مقارنات ضمنية مبطنة تشعر الطالب بأن قيمته ومحبة أهله مشروطان بالرقم الذي سيحمله كشف العلامات، لا بكيانه الإنساني المستقل.

​إن تفكيك هذه الظاهرة وصياغة عهد تربوي جديد يتطلبان خارطة طريق وطنية واضحة المعالم؛ تبدأ من أولياء الأمور عبر ممارسة "الانسحاب الآمن" وتوديع الأبناء بابتسامة وثقة عند باب المنزل، والامتناع التام عن عقد "محاكم التفتيش" ومراجعة الإجابات بعد خروج الطالب من القاعة حفاظاً على معنوياته للامتحانات اللاحقة. وعلى الصعيد المؤسسي، لا بد لوزارة التربية والتعليم، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، من مأسسة نظام "الحرم المدرسي المعزول" لضمان السكينة البصرية والسمعية للطلبة بمسافات كافية، بالتوازي مع إطلاق حملات توعوية وإرشادية استباقية لأولياء الأمور تقودها وسائل الإعلام والمنصات الوطنية، لتسليط الضوء على قصص النجاح في المسارات التقنية الحديثة والمهن الواعدة التي باتت تصنع الفارق الحقيقي في بناء الاقتصاد الوطني.

​إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الانتقال من ثقافة "الرعب الأكاديمي" إلى ثقافة "أنسنة التعليم" واستثمار رأس المال البشري؛ فالأوطان لا تُبنى بالقلق والتوتر عند بوابات المدارس، بل تُبنى بعقول واثقة مستقرة، تدرك أن الامتحان وسيلة للقياس والتقويم، وليس نهاية المطاف للحياة والوجود.

والله ولي التوفيق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :