الناتو في انقرة .. تركيا تُعيد بناء نسيجها والأردن يُعيد تموضعه
أ.د. عبدالله سرور الزعبي
01-07-2026 12:02 AM
ثمة لحظات في التاريخ تختزل فيها قمةٌ واحدة حقيقةَ مرحلة بأكملها. في السابع من تموز 2026، تستضيف أنقرة قمة حلف الناتو داخل مجمع بيشتبه الرئاسي، المجمع ذاته الذي كان قبل عشر سنوات مركزَ صمود الدولة التركية خلال محاولة الانقلاب الفاشلة. وبين اللحظتين لم يتغير موقع تركيا فحسب، بل تبدّلت مكانتها في النظام الدولي كله؛ من دولة كادت تتهاوى تحت وطأة الانقسام الداخلي، إلى دولة تستضيف أكبر تحالف عسكري في العالم في لحظة يُعاد فيها تشكيل النظام الدولي برمّته.
تحمل القمة رسالتين، إلى الداخل بأن الدولة التي نجت من الانقسام باتت مركزاً لصنع القرار الأمني العالمي، وإلى الخارج بأن تركيا لم تعد مجرد عضو في الحلف بل لاعباً يصعب تجاوزه في معادلات الأمن الغربي. وتزداد أهمية القمة، كونها تنعقد في أعقاب الزلزال الجيوسياسي الأعنف منذ عقود؛ الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي انتهت بمذكرة تفاهم في فرساي، لتترك شرقاً أوسط مختلفاً في خرائط النفوذ ومعادلات الردع. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل أصبحت تركيا ركيزةً للاستقرار الإقليمي، أم أنها تقف فوق أحد أكثر خطوط الصدع الجيوسياسي اضطراباً؟ والإجابة لن تحدد مستقبل تركيا وحدها، بل قد تكشف عن طبيعة النظام العالمي الذي يتشكل أمام أعيننا، ويعيد رسم خرائط المنطقة.
لفهم تركيا 2026، لا بد من العودة إلى عام 1952، حين انضمت إلى الناتو حارسةً لجناحه الجنوبي في مواجهة الاتحاد السوفيتي. بعد انتهاء الحرب الباردة أعادت أنقرة تعريف دورها؛ فلم تعد ترى نفسها دولةً لحماية حدود أوروبا، بل قوةً إقليمية ذات مشروع استراتيجي مستقل، تجلّى في بناء قاعدة صناعية دفاعية متقدمة وتوسيع الحضور العسكري من شمال سوريا والعراق إلى ليبيا والقرن الأفريقي، مع الاكتشافات النفطية في المياه الصومالية، جامعةً بذلك بين النفوذ الأمني والاقتصادي، ومعتبرة ذلك قفزة تاريخية كبرى.
بيد أن هذا الصعود يخفي مفارقةً صارخة؛ فبينما تعزز أنقرة قدراتها العسكرية يواصل اقتصادها تحمّل ضغوط التضخم، فضلاً عن تحوّل هوية الدولة من جمهورية كمالية علمانية إلى دولة تمزج القومية التركية بالإسلام السياسي وتستحضر الإرث العثماني رافعةً لمشروعها السياسي. ويبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع تركيا تقديم نفسها شريكاً للاستقرار والتنمية، أم أن تمددها العسكري سيقودها إلى إنتاج أزمات جديدة بدلاً من احتوائها؟
ولا تستمد تركيا قوتها من جيشها، ثاني أكبر جيوش الناتو، بقدر ما تستمدها من موقعها عند تقاطع أوروبا وآسيا والشرق الأوسط والبحر الأسود وشرق المتوسط. وقد نجحت في تحويل هذه الجغرافيا إلى ورقة تفاوض استراتيجية، ظهرت جلياً في ملف منظومة S-400 الروسية وفي علاقة بالغة التعقيد مع موسكو؛ إذ بقيت تركيا العضو الوحيد في الناتو الذي لم يفرض عقوبات على روسيا منذ 2022، وفي الوقت ذاته واصلت دعم أوكرانيا بطائرات بيرقدار واستضافت مفاوضات السلام بين موسكو وكييف. غير أن موسكو ردّت بتحذيرات صريحة؛ استهدفت ناقلة غاز تركية في أوديسا وضربت منشأة إنتاج بيرقدار قرب كييف، تذكيراً بأن حدود "الصداقة" الروسية التركية تقف عند النقطة التي تمسّ فيها مصالح الكرملين.
وعلى الجبهة الغربية تواجه تركيا تحدياً مركّباً في شرق المتوسط؛ حيث تتداخل الخلافات التاريخية مع اليونان وقبرص مع تحولات أمنية جديدة، وأفرز التحالف الدفاعي بين إسرائيل واليونان وقبرص، وإطلاق مركز إقليمي للطاقة بمشاركة أمريكية، شعوراً تركياً بالتطويق والإقصاء عن معادلات الطاقة والنفوذ، فجاء رد أردوغان حاسماً "من يطارد الأحلام في المتوسط سيجد رداً تركياً قوياً وواضحاً". وبينما يدعم الناتو اليونانَ وقبرص سياسياً، فإنه يدرك أن خسارة تركيا ليست خياراً ممكناً، ما يدفعه إلى إدارة هذا التناقض المزمن بدلاً من حسمه، في واحدة من أعقد معضلاته منذ نهاية الحرب الباردة.
وتبقى سوريا المختبر الحقيقي للطموحات التركية. فأنقرة الحليفُ الأقرب للحكومة السورية الجديدة تصطدم برغبة دمشق في تنويع شركائها، وبالضربات الإسرائيلية الاستباقية ضد أي موقع يُشتبه في تحوله إلى قاعدة تركية. وحين أعلن أردوغان أن "أمن تركيا لا يبدأ في هاتاي بل في حلب ودمشق وبيروت"، ردّ نتنياهو بوصفه "ديكتاتوراً معادياً للسامية". في ذات الوقت ترى اسرائيل ان توسع نفوذ تركيا، قد يتحول إلى تهديد يتجاوز في خطورته التهديد الإيراني. ولذلك أُنشئ خط ساخن بين الطرفين عبر محادثات في باكو برعاية أمريكية لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. والخطر الحقيقي أن تعدد اللاعبين يجعل احتمال سوء التقدير قائماً، مما قد يضع الناتو أمام معضلة غير مسبوقة بين التزاماته تجاه تركيا وشراكته مع إسرائيل؛ فالصراع اليوم من سيرسم ملامح سوريا الجديدة؟
أما علاقة تركيا مع إيران فتقوم على توازن دقيق؛ لا ترغب أنقرة في امتلاك طهران السلاح النووي، لكنها لا تريد انهيار الدولة الإيرانية لما يترتب عليه من موجات لجوء واضطرابات كردية. ولهذا تبنّت سياسة "الحياد النشط"؛ أدانت الضربات الأمريكية الإسرائيلية، ورفضت الهجمات الإيرانية على الدول العربية، وشاركت في جهود الوساطة دون انخراط عسكري. وقد كشفت هذه الحرب معادلة جديدة، القيمة الجيوسياسية لتركيا باتت تتقدم في حسابات واشنطن على اعتبارات الالتزام السياسي داخل الحلف.
وعلى المستوى الإقليمي أفرزت الحرب تقارباً بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان نحو محاولة تشكيل محور لا يخضع بالكامل للمظلة الأمريكية ولا يقبل بهيمنة إسرائيلة أو إيرانية. وتكتسب الشراكة مع باكستان أهمية خاصة؛ إذ تجمع بين القدرات النووية الباكستانية والصناعات الدفاعية التركية وعضوية الناتو، وهو تطور تراقبه إسرائيل بقلق. فضلاً عن ذلك أصبح التقارب التركي السعودي الذي بدا مستحيلاً بعد أزمة خاشقجي ضرورةً استراتيجية فرضتها التحولات الإقليمية.
وفي جوهر كل ذلك تسعى تركيا إلى تعظيم قيمتها الجيوسياسية جاعلةً من كل أزمة فرصة لتوسيع مجالها الحيوي. فتركيا اليوم نموذج لم تعرفه المنطقة؛ دولة تجمع عضوية الناتو بطموح الاستقلالية الاستراتيجية، والوساطة في الحرب الأوكرانية بالمواجهة السياسية مع إسرائيل، والحضور في القرن الأفريقي، والتفاوض مع واشنطن على F-35. هذا التناقض ليس خللاً بل جوهر الاستراتيجية التركية. وأمامها ثلاثة مسارات محتملة؛ ترسيخ دورها وسيطاً دولياً وتحوّل إسطنبول قطباً مالياً إقليمياً، أو الاندماج الأكبر مع الغرب، وتكسب اقتصادياً، مقابل تقليص استقلالها الاستراتيجي، أو الانزلاق إلى مغامرات خارجية تستنزف مصداقيتها. والأرجح أن المستقبل مزيجٌ من المسارات الثلاثة في تحالف يحتضنها ويختلف معها، لأن كلفة الاستغناء عنها تفوق كلفة التعايش مع تناقضاتها، مع تحذير تاريخي لا يُهمَل، القوة العسكرية لا تعوّض غياب اقتصاد قوي ومؤسسات راسخة، والدول تتراجع حين يبدأ التآكل من الداخل.
وفي قلب هذا المشهد تتجه المنطقة نحو منافسة طويلة بين ثلاثة مشاريع؛ تركي يسعى إلى توسيع النفوذ، وإسرائيلي يهدف إلى الحفاظ على التفوق الأمني، وإيراني يعمل على استعادة توازنه متى سنحت الظروف.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الأردن، الذي يقف اليوم في قلب الزلزال الجيوسياسي لا على هامشه. فهو دولةٌ غير عضو في الناتو لكنها شريك مميّز له عبر اتفاقيات الشراكة والتعاون، تجعلها في الواقع العملي أقرب إلى المنظومة الأطلسية مما توحي به بطاقة عضويتها. بل إن الأردن بات يؤدي دوراً جيواستراتيجياً فريداً لا يستطيع أي عضو رسمي في الناتو القيام به؛ دولةٌ عربية مسلمة تحتضن منظومة أمنية غربية وتتيح لها نفوذاً في الفضاء الإسلامي والعربي يعجز الحلف عن بنائه بنفسه، مما يجعل الأردن أصلاً استراتيجياً للناتو لا مجرد دولة صديقة على هامش اهتمامه.
ومن زاوية جيواستراتيجية أعمق، يجد الأردن نفسه على تقاطع ثلاثة أنظمة أمنية متنافسة؛ النظام الأطلسي الممتد جنوباً عبر إسرائيل والقواعد الأمريكية، والنظام الإقليمي التركي الصاعد الساعي إلى ملء الفراغ السوري، والنظام الخليجي الذي يعيد رسم أولوياته بعد الحرب الإيرانية. والأردن ليس طرفاً في أيٍّ منها بالكامل، لكنه متشابك مع كلٍّ منها بما يجعله نقطة الارتكاز التي لو اهتزت لاختل توازن المشهد الإقليمي برمّته. والانحياز الصريح لأي طرف ليس رفاهية متاحة؛ فالانحياز لأنقرة يُعقّد علاقاته الغربية، والابتعاد عنها قد يدفعه من رصيده العربي، والتردد يُضعف من مصداقيته.
لكن ما يبدو قيداً يمكن أن يُقرأ فرصة استراتيجية نادرة. فالأردن الذي لا يملك ترف التمدد العسكري التركي ولا حجم الاقتصاد الخليجي يمتلك ما هو أندر في هذا الإقليم المضطرب "الموقع والمصداقية". دولةٌ لم تُراهن يوماً على الفوضى، وحافظت على اتساق مواقفها حين كان الاتساق مكلفاً. وتُضاف إلى ذلك الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، التي باتت في خضم التنافس التركي الإسرائيلي على الحضور الإسلامي ورقةً جيوسياسية ذات ثقل متصاعد؛ إذ تمنح الأردنَ شرعيةً رمزية في العالمين العربي والإسلامي، لا تستطيع أنقرة ولا أي عاصمة أخرى منازعته إياها.
واستشرافاً، فانه من المحتمل، ان يكون هناك ثلاثة سيناريوهات تتشكّل أمام الأردن؛ الأول أن يصبح مركزاً حيوياً لإعادة إعمار سوريا، إذ لا يمكن لأي مشروع بناء سوري أن يتجاهل الجغرافيا الأردنية الرابطة بين المشرق والخليج، مما يُحوّل محدودية الموارد إلى قوة تفاوضية حقيقية. والثاني أن يصبح منصةً للحوار بين الناتو والفضاء العربي الإسلامي في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية، حيث تحتاج واشنطن وبروكسل إلى صوت عربي موثوق يجسر الهوة مع الرأي العام الإقليمي. والثالث أن يُعمّق شراكاته الدفاعية مع الصناعات التركية والأوروبية معاً، محوّلاً موقعه الجغرافي إلى هبة تكنولوجية تُنوّع مصادره.
غير أن هذه السيناريوهات لن تتحقق من تلقاء نفسها؛ فالنوافذ الاستراتيجية لا تبقى مفتوحة طويلاً. حين تستقر خرائط النفوذ في سوريا وتتبلور تحالفات ما بعد الحرب الإيرانية، سيجد كلُّ لاعب مكانه المرسوم مسبقاً، وسيكون الوقت قد فات على من لم يُبادر. وعليه فإن إعادة التموضع الأردني لا تعني الانتظار، بل تعني الفعل الاستباقي الذكي؛ بناء تحالفات اقتصادية مع المحور التركي الخليجي الصاعد، وتعميق الحضور الدبلوماسي في ملفات إعادة إعمار سوريا، وتطوير عرض استراتيجي واضح لما يمكن أن يقدمه الأردن للمنظومة الغربية في مرحلة إعادة رسم خرائط المنطقة.
فالنفوذ الحقيقي لا يصنعه امتلاك القوة الصلبة وحدها، بل القدرة على تحويل المصداقية والموقع وحسن إدارة التوازنات إلى قيمة لا يستطيع الآخرون تجاوزها. وربما يكون هذا الدرس الأعمق الذي تكشفه قمة أنقرة، أن تركيا تُعيد نسج نفسها بالقوة، والأردن يملك أن يُعيد تموضعه بالحكمة، وفي عالم يتشكّل من جديد، تشكل الحكمةُ الاستباقية قوةٌ لا تقل عن الجيوش.