facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سوريا ، سقوط نظام أم نهاية مرحلة كاملة من الشرق الأوسط


سمير حمدان - بودابست
24-06-2026 01:16 AM

بعد الأسد، من يربح سوريا قد يربح المشرق

لم يكن سقوط النظام مجرد نهاية حكم استمر أكثر من نصف قرن، بل حدثاً مرشحاً لأن يُسجل كواحد من أهم التحولات في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، فالبلد الذي قُدم لعقود باعتباره ركناً أساسياً في التوازنات الإقليمية ورمزاً للثبات السياسي انتهى إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية والاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، أكثر من ثلاثة عشر مليون لاجئ ونازح، وأكثر من تسعين في المئة من السكان تحت خط الفقر، ومدن مدمرة واقتصاد منهك ومؤسسات فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على أداء وظائفها، لذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمستقبل سوريا، بل بما إذا كان سقوط النظام يمثل نهاية مرحلة سياسية كاملة حكمت المنطقة لعقود طويلة .

قد يرى كثير من السوريين في انهيار النظام نهاية حقبة من القمع والحرب، لكن التاريخ يبين أن إسقاط الأنظمة ليس سوى بداية الطريق، فالثورات لا تُقاس بقدرتها على إزالة السلطة القائمة فقط، بل بقدرتها على إنتاج واقع أكثر عدالة وكفاءة من الذي سبقها، وما تواجهه سوريا اليوم ليس مجرد انتقال سياسي، بل مهمة إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والسلطة على أسس تجعل القانون المرجعية العليا وتمنح المواطنين شعوراً حقيقياً بالشراكة في المستقبل .

التحدي الأول يتمثل في صياغة عقد وطني يتجاوز منطق الغلبة والانقسام، فسنوات الحرب لم تدمر البنية التحتية فقط، بل أضعفت الثقة العامة وعمقت المسافات بين المكونات المختلفة، ولهذا فإن النجاح الحقيقي لن يكون في فرض الهدوء بالقوة، بل في تأسيس إطار سياسي يشعر الجميع داخله بأن حقوقهم مصانة وفرصهم متكافئة، فالمواطنة ليست شعاراً نظرياً، بل الآلية التي تحول التنوع إلى مصدر قوة وتمنع الاختلاف من التحول إلى صراع دائم .

أما التحدي الثاني فهو العدالة، فالمجتمعات الخارجة من الحروب لا تستطيع بناء مستقبل متماسك إذا تجاهلت الماضي، كما لا تستطيع التقدم إذا بقيت رهينة له، وبين الانتقام والنسيان توجد العدالة الانتقالية التي تسمح بالمحاسبة من دون تمزيق النسيج الاجتماعي وبالمصالحة من دون إنكار المعاناة، لأن السلام الدائم لا يقوم على إخفاء الجراح بل على معالجتها بطريقة تمنع تكرارها .

غير أن أهمية ما حدث في سوريا تتجاوز حدودها الوطنية، لأنه يمس نموذجاً سياسياً حكم أجزاء واسعة من العالم العربي منذ سبعينيات القرن الماضي، نموذج قام على فكرة أن الأمن يمكن أن يحل محل المشاركة السياسية، وأن الضبط الإداري يمكن أن يعوض غياب التنمية، وأن المشروعية يمكن أن تُبنى على الشعارات أكثر مما تُبنى على الإنجاز، وقد استمر هذا النموذج طويلاً لأنه نجح في تأجيل الأزمات لا في حلها، ومع سقوط النظام السوري تتعرض إحدى آخر صوره الكبرى لاختبار تاريخي قد يحدد مصير ما تبقى منه في المنطقة .

وتبرز هنا مفارقة عميقة، فالنظام الذي رفع شعار القوة ترك خلفه بلداً يحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة، والنظام الذي قدم نفسه حامياً للوحدة الوطنية أورث المجتمع انقسامات حادة، والنظام الذي تحدث طويلاً عن السيادة انتهى إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الإقليمية والدولية، ولهذا فإن ما انهار ليس سلطة سياسية فقط، بل مجموعة من المسلمات التي هيمنت على التفكير السياسي العربي لعقود طويلة .

وفي الجانب الاقتصادي تبدو المهمة أكثر تعقيداً مما توحي به أرقام إعادة الإعمار، فإصلاح البنية التحتية يتطلب استثمارات ضخمة، لكنه يبقى أقل صعوبة من استعادة رأس المال البشري الذي خسرته البلاد، فملايين السوريين غادروا وطنهم وبينهم أعداد كبيرة من أصحاب الكفاءات والخبرات، ولذلك فإن المستقبل لن يتوقف على حجم الأموال التي ستدخلها فقط، بل على قدرة السوريين على تحويل التعافي إلى نهضة مستدامة .

لكن التحدي الأعمق يتعلق بموقع سوريا في الشرق الأوسط الذي يتشكل من جديد، فدمشق ستجد نفسها أمام ملفات الجولان المحتل والقضية الفلسطينية والعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في وقت تسعى فيه إلى الخروج من العزلة واستعادة دورها الاقتصادي والإقليمي، غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية إدارة هذه الملفات، بل بنوع الدور الذي ستختاره لنفسها، فخلال عقود طويلة استمدت سوريا جزءاً كبيراً من وزنها من موقعها في قلب الصراعات الإقليمية، أما المرحلة المقبلة فقد تدفعها إلى البحث عن مصادر مختلفة للقوة تقوم على الاقتصاد والربط الإقليمي والاستثمار في موقعها الجغرافي، وهنا يكمن التحول الأهم، الانتقال من نفوذ يستمد قيمته من الصراع إلى نفوذ يستمد قيمته من إنتاج المصالح، ومن ساحة تتنافس عليها القوى المختلفة إلى طرف يمتلك القدرة على التأثير في حساباتها، وقد يكون نجاح هذا التحول العامل الأكثر حسماً في تحديد مكانة سوريا خلال العقود المقبلة .

لقد سقط الأسد، لكن السؤال الحاسم ليس من انتصر ومن خسر، بل ما إذا كانت سوريا قادرة على إعادة تعريف نفسها بوصفها فضاءً سياسياً يقوم على القانون والمواطنة والمؤسسات، فإذا نجحت في ذلك فإن ما سينتهي فعلاً لن يكون نظاماً سياسياً فقط، بل مرحلة كاملة من تاريخ الشرق الأوسط، مرحلة اعتقدت أن السلطة وحدها قادرة على صناعة التماسك، قبل أن يثبت التاريخ مرة أخرى أن المجتمعات القادرة على البقاء والتقدم هي تلك التي تبني قوتها على الثقة والكفاءة والمشاركة لا على القوة وحدها .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :