في زمن الأزمات والتحول الرقمي: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم مستقبل التسويق في الأردن؟
د. طارق مسلم
24-06-2026 01:03 AM
قبل سنوات قليلة، كانت الشركات تتنافس على جودة المنتج والسعر المناسب وموقع المتجر. أما اليوم، فقد أصبحت المنافسة أكثر تعقيدًا، وأحيانًا أكثر قسوة. فالتاجر الذي يملك أفضل منتج قد لا ينجح في بيعه، بينما تحقق شركات أخرى نتائج أفضل لأنها استطاعت الوصول إلى العميل في الوقت المناسب وبالرسالة المناسبة.
خلال السنوات الأخيرة، واجه الاقتصاد العالمي سلسلة متلاحقة من التحديات، بدءًا من تداعيات الجائحة، مرورًا باضطرابات سلاسل التوريد، ووصولًا إلى التوترات والصراعات التي ألقت بظلالها على حركة التجارة وأسعار الشحن والطاقة والمواد الخام. ولم يكن الأردن بمنأى عن هذه المتغيرات، إذ انعكست آثارها على الأسواق والشركات والمستهلكين على حد سواء.
في خضم هذه التغيرات، تغير المستهلك الأردني أيضًا. فقد أصبح أكثر حذرًا في الإنفاق، وأكثر بحثًا عن القيمة مقابل السعر، وأكثر اعتمادًا على المصادر الرقمية قبل اتخاذ قرار الشراء. ولم يعد الإعلان التقليدي وحده قادرًا على التأثير كما كان في السابق، بل أصبحت الثقة والتجربة والمحتوى الرقمي عوامل أساسية في بناء القرار الشرائي.
هذا التحول وضع الشركات الصغيرة والمتوسطة أمام معادلة جديدة. فمن جهة تواجه ارتفاعًا في التكاليف وتغيرًا في أنماط الطلب، ومن جهة أخرى مطالبة بمواكبة التحول الرقمي الذي يشهده العالم. وهنا برز الذكاء الاصطناعي ليس باعتباره رفاهية تقنية، بل كأداة عملية تساعد الشركات على فهم عملائها بشكل أفضل واتخاذ قرارات أكثر دقة.
فاليوم تستطيع الشركات، من خلال أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تحليل اهتمامات العملاء، والتنبؤ باتجاهات السوق، وتحسين الحملات التسويقية، وإنتاج محتوى يتوافق مع احتياجات الجمهور المستهدف. والأهم من ذلك أن هذه الأدوات أصبحت متاحة بتكاليف أقل مما كانت عليه قبل سنوات، الأمر الذي منح الشركات الصغيرة والمتوسطة فرصة للاستفادة منها بصورة أكبر.
لكن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في القدرة على تحويل المعلومات إلى قرارات. فالسوق لم يعد يتحرك بالسرعة نفسها التي كان يتحرك بها قبل عقد من الزمن. وما كان يصلح بالأمس قد لا يحقق النتيجة نفسها اليوم. ولذلك أصبحت القدرة على قراءة التغيرات بسرعة والتفاعل معها عنصرًا حاسمًا في نجاح أي نشاط تجاري.
وفي الأردن، تبدو هذه المسألة أكثر أهمية بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي. فهذه الشركات تمتلك مرونة تساعدها على التكيف مع المتغيرات، لكنها تحتاج في المقابل إلى أدوات تمكنها من فهم السوق والتواصل مع العملاء بكفاءة أعلى، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة داخل البيئة الرقمية.
ومن الملاحظ أن جزءًا كبيرًا من المستهلكين بات يكتشف المنتجات والخدمات عبر المنصات الرقمية قبل زيارة المتجر أو التواصل مع الشركة. وهذا يعني أن الانطباع الأول لم يعد يُبنى عند باب المؤسسة، بل على شاشة الهاتف. ولذلك أصبح المحتوى الرقمي، وسرعة الاستجابة، وجودة التواصل الإلكتروني عناصر تؤثر بصورة مباشرة في قرارات الشراء.
ومع استمرار التطورات التكنولوجية، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الشركات ستستخدم الذكاء الاصطناعي في التسويق، بل كيف ستستخدمه، وإلى أي مدى تستطيع توظيفه لتحقيق قيمة حقيقية للعملاء. فالتكنولوجيا وحدها لا تضمن النجاح، لكن النجاح يصبح أكثر احتمالًا عندما تُستخدم التكنولوجيا ضمن رؤية واضحة وفهم عميق للسوق.
ختامًا، يبدو أن مستقبل التسويق في الأردن لن يُبنى فقط على جودة المنتج أو حجم الإنفاق الإعلاني، بل على القدرة على فهم المستهلك والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. وفي عالم تتداخل فيه الأزمات مع الفرص، قد يكون الذكاء الاصطناعي أحد أهم الأدوات التي تساعد الشركات الأردنية على تحويل التحديات إلى فرص للنمو والاستمرار.