الباحث مراشدة يعاين شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر
24-06-2026 01:04 AM
عمون - يمثل كتاب "شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر" للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط ما بين جماليات الشعر وما بين عمقه الثقافي، وفتح مسارات جديدة أمام قراءة الشعر العربي بوصفه مساحة تتقاطع فيها اللغة والفكر والذاكرة والحضارة.
يبحث الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026) في قرابة 230 صفحة في الطبقات العميقة للنصوص الشعرية العربية الحديثة، متجاوزاً القراءة الجمالية المباشرة نحو الكشف عن المرجعيات والأنساق الثقافية التي تتخفى داخل البناء الشعري، ويتتبع العلاقة بين الشعر والثقافة والتاريخ والفكر، ويقدم قراءة للنصوص الشعرية من منظور يكشف ما وراء اللغة الظاهرة من دلالات ورؤى ومهيمنات ثقافية..
وفي مقدمته، يشير مراشدة إلى أن موضوع الأنساق الثقافية أصبح يحتل مساحة بارزة في النقد الثقافي الحديث، سواء في الدراسات الغربية أو العربية، وأن هذا الاتجاه يتيح البحث عن الدلالات التي تتجاوز المستوى اللغوي والجمالي للنص، للكشف عن البنى الفكرية والتاريخية والحضارية الكامنة فيه، موضحاً أن النص الشعري لا ينفصل عن روافده الثقافية، إذ يتشرب التاريخ والتراث والأحداث والمرجعيات المختلفة، لتصبح جزءاً من تشكيله الفني والدلالي.
يضم الكتاب ثلاثة فصول هي: "الأنساق الثقافية: الرؤيا والتشكيل"، و"الصوفية والوجودية نسقاً ثقافيا: قراءة في قصيدتين من الشعر العربي الحديث"، و"النسق الثقافي الرحلي الوجداني"، وجميعها تقوم على دراسات نقدية تطبيقية تتناول نماذج شعرية عربية حديثة، تهدف إلى تقديم قراءة تتقاطع مع مناهج النقد المعاصر، وبخاصة النقد الثقافي، بما يحمله من اهتمام بالأنساق المضمرة والمهيمنات التي تعمل داخل النص وخارجه.
ومن أبرز النماذج التي يتوقف عندها د.عبد الرحيم تجربة الشاعر أدونيس، ولا سيما مشروعه "الكتاب: أمس، المكان، الآن"، حيث يقرأ الناقد هذا العمل بوصفه نصاً إشكالياً يتجاوز الحدود التقليدية للأجناس الأدبية، ويعتمد على كثافة المرجعيات الثقافية والتاريخية والفكرية، موضحاً أن الشاعر كان دائم السعي إلى التجديد والتجاوز والتجريب، سواء في الشعر أو النقد، وأنه أسهم في نقل القصيدة العربية إلى فضاءات جديدة عبر محاولاته المستمرة لكسر القوالب التقليدية.
كما يتناول الباحث تجربة الشاعر الأردني طاهر رياض من خلال قصيدته "حلاج الوقت" التي يرى فيها المؤلف حضوراً واضحاً للمرجعيات الصوفية والفلسفية والوجودية، وكيف تتحول هذه المرجعيات إلى طاقة شعرية داخل النص، وإلى جانب ذلك يدرس مراشدة نماذج شعرية أخرى، منها قصائد للشاعرين نزار قباني وأدونيس، حيث يرصد حضور التاريخ والحضارة والفكر في نصوصهما، ويرى أن هذه الكتابات تمثل مرحلة من التحولات المهمة في الشعر العربي الحديث، سواء على مستوى اللغة الشعرية أو طرق التعبير أو الانفتاح على ثقافات متعددة، ويتوقف كذلك عند تجربة الشاعر الأردني عمر أبو الهيجاء في مجموعته الشعرية "وأقبل التراب"، بوصفها تجربة شعرية تتداخل فيها الذاكرة والمكان والقضية والبعد الإنساني، ويخصص د.مراشدة مساحة لدراسة شعر الناقد والأديب الأردني ناصر الدين الأسد، متتبعاً حضور الذات والذاكرة والقيم الإنسانية في تجربته الشعرية، وما تحمله من ارتباط بالوجدان والطبيعة والرؤية الخاصة للعالم.
ينطلق الكتاب من فكرة مركزية مفادها أن قراءة النص الأدبي لا تكتمل عند حدود البنية الظاهرة، إذ إن النصوص الحديثة تحمل أنساقاً ثقافية خفية تحتاج إلى أدوات نقدية قادرة على استكشافها، ويستند الناقد مراشدة إلى مفهوم النسق الثقافي بوصفه شبكة من القيم والمرجعيات التي ترتبط بالنص والمجتمع والتاريخ، وتكشف عن علاقات أعمق بين الإبداع والبيئة الثقافية المنتجة له.
ويؤكد الباحث أن العنوان والغلاف وبنية النص ليست عناصر شكلية منفصلة، بل تشكل مفاتيح لقراءة العمل الأدبي، لأنها تحمل إشارات ودلالات تساعد القارئ على اكتشاف الطبقات العميقة للنص، مؤكداً على أهمية النقد الثقافي في إعادة قراءة الأدب العربي الحديث، بوصفه فضاءً تتفاعل داخله الثقافة والتاريخ والهوية والأسئلة الإنسانية الكبرى.