تمكين الإعلام وقانون الحصول على المعلومات
د. أشرف الراعي
24-06-2026 01:05 AM
أكد جلالة الملك عبدالله الثاني في العديد من المناسبات على أهمية الإعلام الوطني ودوره في بناء الوعي العام وتعزيز مسيرة الإصلاح والتحديث. كما شدد جلالته على ضرورة تمكين وسائل الإعلام من أداء رسالتها بمهنية ومسؤولية، انطلاقا من إيمانه بأن المواطن الواعي والقادر على الوصول إلى المعلومة الصحيحة هو الركيزة الأساسية للدولة الحديثة القادرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
الرؤية الملكية واضحة ولا يمكن أن تتحقق بمعزل عن توفير المعلومة. فالإعلام لا يصنع الحقائق، بل ينقلها ويحللها ويقدمها للرأي العام. وكلما كانت المعلومة متاحة ودقيقة وفي الوقت المناسب، كان الإعلام أكثر قدرة على القيام بدوره الوطني والمهني. أما حين تغيب المعلومة أو تتأخر، فإن الفراغ الناتج عنها يفسح المجال للشائعات والتكهنات والمعلومات غير الدقيقة.
وقد جاء قانون ضمان حق الحصول على المعلومات ليؤسس لهذا المفهوم ويؤكد أن الوصول إلى المعلومات ليس امتيازا يمنح عند الرغبة، بل حق يكفله القانون ضمن ضوابط محددة تراعي المصلحة العامة ومتطلبات الأمن الوطني وحماية الخصوصية. غير أن وجود النصوص القانونية وحده لا يكفي، فنجاح أي تشريع يقاس بمدى تطبيقه وتحوله إلى ممارسة يومية داخل المؤسسات العامة.
فلا شفافية من دون معلومات. ولا مساءلة حقيقية من دون قدرة الصحفي على الوصول إلى البيانات والوثائق التي تساعده على فهم القضايا العامة ونقلها للمجتمع بصورة دقيقة ومتوازنة. كما أن بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين لا يتحقق عبر البيانات العامة وحدها، بل من خلال سياسة واضحة تقوم على الانفتاح وتوفير المعلومات كلما كان ذلك ممكنا ومشروعا.
لقد وفر المشرع الإطار القانوني، لكن المطلوب اليوم من المؤسسات العامة أن تقدم آليات تنفيذية فعالة تضمن سرعة الاستجابة لطلبات المعلومات وتسهيل الوصول إليها. وكما كانت الرؤية الملكية واضحة في دعم الإعلام وتعزيز دوره الوطني، يجب أن تكون إجراءات المؤسسات واضحة ومحددة وقادرة على ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس.
وفي هذا السياق يبرز الدور المهم للناطقين الإعلاميين. فهؤلاء لا يمثلون مجرد حلقة اتصال بين المؤسسة ووسائل الإعلام، بل يشكلون أداة رئيسية في تنفيذ حق الحصول على المعلومات. ومن هنا فإن مسؤوليتهم لا تقتصر على إصدار التصريحات والبيانات، بل تمتد إلى تمكين الصحفي من الحصول على المعلومة الصحيحة والدقيقة في الوقت المناسب.
فالتأخر في الرد على استفسارات الصحفيين، أو الاكتفاء بإجابات عامة لا تعالج الأسئلة المطروحة، أو الامتناع عن توفير المعلومات التي لا يوجد ما يمنع قانونا من نشرها، لا يضر بالصحفي وحده، بل يضر بالمؤسسة نفسها وبحق المجتمع في المعرفة. كما أنه يفتح المجال أمام مصادر غير رسمية لملء الفراغ المعلوماتي، وهو ما قد يؤدي إلى تداول معلومات غير دقيقة يصعب تصحيحها لاحقا.
وفي المقابل، فإن توفير المعلومات لا يعني الكشف عن كل ما تمتلكه المؤسسات من وثائق وبيانات. فالقانون وضع استثناءات مشروعة تتعلق بالأمن الوطني والخصوصية والوثائق المصنفة وغيرها من الاعتبارات التي تقتضيها المصلحة العامة. لكن هذه الاستثناءات يجب أن تبقى في نطاقها المحدد، وألا تتحول إلى قاعدة عامة تبرر حجب المعلومات أو التهرب من الإجابة.
لذلك فإن تعزيز حق الحصول على المعلومات يتطلب مسارين متوازيين. الأول يتمثل في تطوير الإجراءات والأنظمة التي تسهل الوصول إلى المعلومات، والثاني يتمثل في ترسيخ ثقافة مؤسسية تؤمن بأن الأصل هو الإفصاح لا الحجب، وأن توفير المعلومة ليس تفضلا من المؤسسة، بل واجب قانوني ومهني ينسجم مع توجهات الدولة ورؤيتها الإصلاحية.
فلا طريق مختصرة لبناء الثقة العامة. ولا يمكن مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة بالتحذير منها فقط. المعلومة الدقيقة والسريعة هي الوسيلة الأكثر فاعلية لحماية الوعي العام وتعزيز مصداقية المؤسسات وتمكين الإعلام من أداء رسالته الوطنية.
إن ترسيخ حق الحصول على المعلومات مسيرة مستمرة. لكن توفير المعلومة قرار. ودعم الإعلام لا يبدأ بالشعارات ولا بالبيانات، بل يبدأ بالمعلومة الصحيحة التي تصل في الوقت المناسب. وعندما تدرك المؤسسات العامة والناطقون الإعلاميون هذه الحقيقة، يصبح حق المعرفة واقعا عمليا، ويصبح الإعلام شريكا حقيقيا في خدمة الوطن والمواطن.