خلال مباراة العراق والنرويج ضمن منافسات كأس العالم 2026 التي أقيمت اليوم في ملعب Gillette Stadium (جيليت) بولاية Massachusetts (ماساتشوستس) الأمريكية، لفت انتباهي الانتشار الواضح لعناصر الحرس الوطني الأمريكي إلى جانب الشرطة المحلية في محيط الملعب. ووفقاً لما نشرته وسائل إعلام أمريكية، تم نشر نحو 85 عنصراً من الحرس الوطني لتقديم الدعم الإضافي للخطة الأمنية في محيط الملعب وبوابات الدخول، إلى جانب 50 شرطياً من الولاية للتعامل مع أي حوادث أو تهديدات أمنية محتملة.
هذا المشهد أعاد إلى ذاكرتي تجربة كأس العالم في قطر عام 2022، حيث غاب الوجود العسكري المسلح داخل الملاعب التزاماً بالمعايير والإجراءات المعتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA). وهنا يبرز سؤال مهم:
ما الفرق بين الأمن والبلطجة؟
في الدول التي تحترم القانون وتؤمن بالمهنية الأمنية وليس الهيمنة الامنية، تُدار الحشود الرياضية وفق منظومة واضحة من المسؤوليات والصلاحيات. فالاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) يفرض إجراءات صارمة داخل الملاعب، حيث لا يُسمح لأفراد الأمن الخاص أو منظمي الفعاليات بحمل الأسلحة النارية أو وسائل مكافحة الشغب، مثل الصواعق الكهربائية أو الغاز المسيل للدموع، داخل المنشآت الرياضية. وتبقى صلاحية استخدام القوة القانونية محصورة بالأجهزة الرسمية المخولة بذلك وضمن أطر قانونية محددة.
وفي المقابل، تتولى الأجهزة الأمنية الحكومية مسؤولية حماية محيط الملعب من الخارج، وتأمين البوابات الخارجية، وإدارة المخاطر والتهديدات الأمنية المحتملة، وفق قواعد اشتباك واضحة وإجراءات خاضعة للمساءلة والرقابة القانونية.
أما عندما تتحول المقاربة الأمنية إلى استعراض للقوة، فتغلب المظاهر العسكرية على المشهد الرياضي، وتنتشر الأسلحة والهراوات ووسائل الإكراه بصورة تفوق الحاجة الأمنية الفعلية، فإن الرسالة التي تصل إلى الجمهور لا تكون رسالة طمأنينة بقدر ما تكون رسالة هيمنة وردع. وهنا يبدأ الخط الفاصل بين الأمن المهني وبين الممارسات التي قد تُفسَّر على أنها ترهيب للجمهور بدلاً من حمايته.
فالأمن الحقيقي لا يقوم على استعراض القوة أو الترهيب أو الاعتداء على الجماهير، بل يقوم على التفتيش الدقيق، والانضباط المهني، واحترام القانون، وحماية الأرواح والممتلكات، وضمان سلامة الجميع. أما عندما تتحول بعض الممارسات إلى تجاوز للقانون أو خروج عن التعليمات والأنظمة المعتمدة، أو إلى استخدام غير مشروع للقوة، فإنها تخرج من إطار الأمن وتدخل في إطار البلطجة، مهما كانت الجهة التي تمارسها.
لقد أثبتت التجارب الدولية الكبرى، من كأس العالم إلى الألعاب الأولمبية، أن نجاح أي حدث جماهيري لا يتحقق بكثرة السلاح أو بالشدة المفرطة، بل بتحقيق التوازن بين فرض القانون واحترام حقوق الجمهور. فالجمهور جاء ليستمتع بالمنافسة الرياضية، والأجهزة الأمنية وُجدت لضمان سلامته، لا لإشعاره بأنه في ساحة مواجهة.
الأمن ثقافة احتراف ومسؤولية مهنية، أما البلطجة فهي غياب للقانون وهيمنة للفوضى. والفرق بينهما هو الفرق بين الدولة والفوضى.