الأردن والنمسا .. بين شجاعة "المحاولة" وقسوة "التفاصيل"
فيصل تايه
17-06-2026 10:10 AM
لم تكن خسارة المنتخب الأردني أمام نظيره النمساوي بثلاثة أهداف مقابل هدف مجرد نتيجة رقمية ، بل جاءت لتلخص بوضوح الفارق بين فريق يتسلح بالطموح والإرادة، وآخر يجيد إدارة التفاصيل الصغيرة التي تحسم المواجهات الفاصلة .
لقد غادر "النشامى" أرضية الملعب برؤوس مرفوعة تجسد شجاعة الأداء والرغبة في المنافسة، لكنهم خرجوا في الوقت ذاته محملين بأسئلة فنية عميقة تستوجب وقفة صريحة وهادئة ، فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المنتخب الأردني لم يكن صيداً سهلاً أو خصماً مستسلماً أمام منافس أوروبي يتفوق عليه في منسوب الخبرة والإمكانات، بل ظهرت شخصية الفريق بوضوح في فترات عدة، نجح خلالها في مجاراة السرعة النمساوية وفرض حضوره وصناعة الخطورة. وهذه الروح تمثل المكتسب الأبرز لهذا الجيل، وهي التي رسخت لدى الجماهير إيماناً حقيقياً بأن هذا المنتخب قادر على مقارعة منتخبات الصف الأول وعدم الاكتفاء بدور المتفرج.
لكن كرة القدم في مستوياتها النخبوية لا تعترف بالنوايا وحدها، فالمواجهات الكبيرة تُحسم بالانضباط التكتيكي، والتركيز العالي، والقدرة على استثمار أنصاف الفرص. وهنا تحديداً ظهرت الفوارق؛ فالمنتخب النمساوي لم يكن الطرف الأفضل طوال دقائق المباراة، لكنه كان الأكثر هدوءاً وذكاءً في التعامل مع اللحظات الحاسمة، واستطاع مدربه قراءة تفاصيل اللقاء واستغلال المساحات والثغرات التي ظهرت في التنظيم الدفاعي الأردني.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال أن بعض الأخطاء الفردية ساهمت في منح المنافس أفضلية لم يكن بحاجة إلى الكثير من أجل استثمارها. ففي مثل هذه المباريات، لا تكون الأخطاء دائماً واضحة أو كبيرة، فقد يكون فقدان الكرة في منطقة حساسة، أو تأخر في التغطية، أو قرار متسرع تحت الضغط، كافياً لمنح منتخب منظم مثل النمسا فرصة لتغيير مسار اللقاء ، فهذه التفاصيل لا تعني تحميل لاعب بعينه المسؤولية، لكنها تؤكد أن اللعب أمام منتخبات بهذا المستوى يتطلب أعلى درجات التركيز في كل لحظة، لأن المنافسين الكبار يعاقبون الهفوة قبل أن يمنحوا فرصة لتصحيحها.
في المقابل، وجد "النشامى" أنفسهم في فترات مهمة من المباراة أسرى لردة الفعل أكثر من قدرتهم على فرض الإيقاع. وهذا يضع الجهاز الفني أمام تقييم ضروري، ليس من باب تحميله مسؤولية الخسارة كاملة، بل لأن المباريات الكبيرة تكشف قيمة القرارات الفنية ، فقد بدا واضحاً أن المنتخب افتقد للحلول الكافية، خصوصاً في الثلث الأخير من اللقاء عندما بدأ المنافس يفرض سيطرته، كما أن بعض التبديلات فتحت باب النقاش، وتحديداً خروج موسى التعمري وعودة الفاخوري في مرحلة كان الفريق يحتاج فيها إلى المحافظة على مصادر الخطورة والحيوية الهجومية.
غياب التعمري سلب المنتخب إحدى أهم أوراقه القادرة على تغيير شكل المباراة؛ فهو لا يمثل مجرد لاعب مهاري، بل عنصر قادر على سحب المدافعين، خلق المساحات، ومنمنح الفريق حلولاً فردية عندما تتعقد الأمور. كما أن خروج عودة الفاخوري أفقد الفريق جزءاً من الحركة والضغط والطاقة التي كان يقدمها في وسط الملعب ، فرغم أن قرارات التبديل تبقى مرتبطة برؤية الجهاز الفني وظروف اللقاء، فإن الواقع يشير إلى أن المنتخب بعد خروجهما فقد جانباً من الجرأة الهجومية والقدرة على إزعاج الدفاع النمساوي.
أما تقييم أداء الحارس يزيد أبو ليلى، فيحتاج إلى قدر كبير من العدالة والموضوعية. صحيح أن المباراة لم تكن الأفضل له، وظهرت بعض التفاصيل التي كان يمكن التعامل معها بصورة أفضل في لحظات حاسمة، لكن تحميله وحده مسؤولية الخسارة سيكون قراءة غير منصفة للمشهد ، فالأهداف التي استقبلتها الشباك جاءت نتيجة منظومة دفاعية كاملة واجهت ضغطاً مستمراً أمام منتخب يمتلك جودة هجومية عالية، والحارس يبقى جزءاً من الفريق لا الفريق بأكمله.
المؤلم في هذه المواجهة ليس الخسارة بحد ذاتها، فالسقوط أمام منتخب قوي أمر وارد في كرة القدم، وإنما الإحساس بأن الأردن كان قادراً على الخروج بصورة أفضل لو أُديرت بعض التفاصيل الفنية الصغيرة بدرجة أعلى من الدقة. فالفارق بين المنتخبات الكبيرة لا يكون دائماً في الموهبة فقط، بل في كيفية التعامل مع لحظة، أو قرار، أو تبديل، أو فرصة واحدة.
هذه المباراة لا يجب أن تهدم ما تحقق، كما لا يجب أن تكون مبرراً لتجاهل الأخطاء. فالمنتخب الأردني الذي قطع خطوات كبيرة وأصبح يحظى باحترام المنافسين بات مطالباً بالانتقال من مرحلة "الأداء المشرف" إلى مرحلة "المنافسة الحقيقية". وهذا الانتقال يحتاج إلى مراجعة صادقة، وتطوير مستمر، وقدرة على تحويل التجارب الصعبة إلى مكاسب.
لقد قدمت النمسا درساً في كيفية إدارة المباراة وحسم التفاصيل، وقدم الأردن درساً في القتال والإيمان بالقدرة على المنافسة. ويبقى التحدي الأكبر أمام "النشامى" هو أن يجمعوا بين الأمرين: روح المحارب التي لا تستسلم، وعقلية الفريق الذي يعرف كيف ينتصر.