تقييم الأثر الاقتصادي .. من التدريب إلى تحسين القرار العام
د. حمد الكساسبة
01-07-2026 01:57 PM
يمثل البرنامج المتخصص في تقييم الأثر الاقتصادي، الذي يأتي ضمن جهود تطوير قدرات القيادات العامة، خطوة مهمة في تحديث أدوات صنع القرار الاقتصادي العام. فالفكرة بحد ذاتها تستحق التقدير، لأنها تنقل النقاش من حدود التدريب التقليدي إلى مساحة أوسع تتعلق بكيفية قياس أثر السياسات والمشاريع والموازنات. ومن المهم التأكيد منذ البداية أن الملاحظات المطروحة هنا لا تفترض أن هذه الشروط غائبة عن القائمين على هذا البرنامج أو غيره من برامج تطوير الإدارة العامة، بل تهدف إلى إبراز ما يلزم لضمان انتقال الفكرة من التدريب إلى التطبيق المؤسسي.
فالسياسة الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق أو عدد البرامج، بل بما تحققه من نتائج واضحة في النمو، والتشغيل، والإنتاجية، والدخل، وكفاءة استخدام الموارد. ومن هنا تأتي أهمية تقييم الأثر الاقتصادي، لأنه يساعد على تقدير العائد الاقتصادي والاجتماعي للسياسات، ومقارنة البدائل، وتوجيه المال العام نحو المسارات الأكثر جدوى. وهذا مهم في اقتصاد يحتاج إلى تعظيم أثر كل دينار عام، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الأعلى مردوداً.
غير أن السؤال الأهم هو ما إذا كان تقييم الأثر الاقتصادي سيبقى في حدود التدريب وبناء المعرفة، أم سيتحول إلى شرط عملي قبل إقرار السياسات وتخصيص الموارد. فالتجربة تُظهر أن المشكلة في الإدارة العامة لا تكون دائماً في غياب المفاهيم الحديثة، بل في ضعف تحويلها إلى قواعد عمل ملزمة. فقد تتغير لغة التقارير، وتدخل مصطلحات مثل الكلفة والعائد والبدائل ومؤشرات الأداء، بينما تبقى القرارات تُتخذ بالطريقة نفسها، وتبقى الموازنات تُعد وفق منطق لا يربط التمويل بوضوح بحجم الأثر المتوقع.
ولهذا فإن تقييم الأثر الاقتصادي يجب أن يأتي قبل القرار لا بعده. فقيمته تظهر عندما يُستخدم قبل إطلاق مشروع عام، أو برنامج دعم، أو سياسة قطاعية، بحيث تتم مقارنة البدائل، وتقدير الكلفة والعائد، وقياس المخاطر، وتحديد مؤشرات النجاح منذ البداية. أما إذا استُخدم لاحقاً لتبرير قرار اتُّخذ مسبقاً، أو لإضافة لغة اقتصادية إلى تقرير إداري، فإنه يفقد جزءاً كبيراً من قيمته ويتحول إلى إجراء شكلي لا يحسن القرار العام بالقدر المطلوب.
وتتوقف فاعلية تقييم الأثر على موقعه داخل دورة القرار الاقتصادي، لا على جودة الأداة وحدها. فإذا بقي التقييم اختيارياً، أو منفصلاً عن الموازنة، أو غير مرتبط بالمساءلة عن النتائج، فإن أثره سيبقى محدوداً مهما كان التدريب جيداً. أما عندما يصبح جزءاً من قواعد توزيع الموارد، وشرطاً قبل اعتماد المشاريع، وأداة لمتابعة النتائج، فإنه يساعد على ترتيب الأولويات، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة الإنفاق العام.
وفي الحالة الأردنية، تبدو الحاجة إلى هذا التحول واضحة. فالموارد العامة محدودة، والالتزامات المالية كبيرة، والحاجة إلى تحسين الخدمات وخلق فرص العمل مستمرة. لذلك لا يكفي أن نعرف حجم ما أُنفق أو عدد المشاريع التي نُفذت، بل يجب أن نعرف القيمة التي أضافها هذا الإنفاق. فالقيمة الحقيقية لأي برنامج عام تظهر في أثره على الإنتاجية، وجودة الخدمة، ودعم القطاعات المنتجة، وخلق فرص عمل قابلة للاستمرار، وفي ما إذا كان بالإمكان تحقيق نتائج أفضل بالكلفة نفسها أو بكلفة أقل.
ويتطلب ذلك بيانات دقيقة ومحدثة، ووحدات تحليل اقتصادي قادرة على قراءة المؤشرات، وآلية تربط نتائج التقييم بالموازنة وقرارات التمويل. فبدون هذه الشروط، قد يتحول تقييم الأثر إلى ورقة إضافية في ملف القرار، لا إلى أداة تغير طريقة توزيع الموارد. ولذلك، فإن معيار نجاح البرنامج لا يجب أن يكون في انعقاده أو في جودة مادته العلمية فقط، بل في مدى قدرة القيادات المشاركة على نقل ما تتعلمه إلى سلوك مؤسسي داخل مواقع القرار. فإذا لم يؤدِّ تقييم الأثر إلى تعديل برنامج، أو رفض مشروع ضعيف الجدوى، أو إعادة توجيه إنفاق نحو أولوية أعلى، فإن أثره سيبقى محدوداً مهما بدا مهماً في الشكل.
وخلاصة القول، إن تقييم الأثر الاقتصادي فكرة مهمة وتستحق الدعم، والبرامج التي تبني قدرات القيادات العامة في هذا المجال تمثل اتجاهاً إيجابياً يجب البناء عليه. كما أن الملاحظات المطروحة لا تقلل من أهمية البرنامج ولا من جهد القائمين عليه، بقدر ما تؤكد أن نجاحه الحقيقي يرتبط بقدرته على الانتقال من القاعة التدريبية إلى قرار تخصيص الموارد، وإعداد الموازنات، ومراجعة النتائج. فحين يصبح تقييم الأثر جزءاً من طريقة الإنفاق، واختيار الأولويات، والمساءلة عن النتائج، يمكن أن يتحول من مبادرة تدريبية مهمة إلى أداة مؤسسية حقيقية لتحسين جودة السياسات الاقتصادية، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وخدمة المواطن بصورة أفضل.