التطهير و النضال المزيف
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
01-07-2026 08:06 PM
ظاهرة النضال على صفحات السوشيال ميديا تذكرني بتفسير ارسطو لعشقنا للقصص و الاساطير الحزينة. نقرأ رواية او نتابع فلم حزين نعيش قصة ابطاله و نندمج مع مشاعرهم و قد نذرف الدموع، القصة خيالية لكن المشاعر حقيقية ثم نختم الرواية او الفلم فتنتهي القصة و نكون قد تطهرنا من مشاعرنا السلبية و من مسؤولياتنا دون ان نحتاج لنعيش معاناة البطل. تماما هي بطولات السوشيال ميديا، يصحو هؤلاء و يتناولوا وجباتهم في اجواء آمنة مكيفة ثم يركبون أحصنة الفرسان خلف الكيبورد يخونوا و يزايدوا مرة باسم الدين و مرة باسم فلسطين و مرة باسم القومية و مرة باسم المعارضة ثم يغلقوا التطبيق و يتابعوا السهر او اللعب او الاستمتاع بقوانين و عطايا الدول التي وفق جولة بطولتهم هي كافرة متآمرة معادية او تجده يعيش بالوحل في دول فاشلة بلا كهرباء او تعليم او صحة و عجز ان يقدم اي تنمية ثم يعطي دروسا لدول آمنة مستقره مثل الاردن و الخليج.
جولة قصيرة من البطولة المزيفة لا تكلف شيئا و لكنها تطهر هؤلاء من مسؤولياتهم و احساسهم بالفشل و التقاعص و الدونية. هي ليست اكثر من شحنة من الحقد و الدونية و الهزيمة النفسية يتطهرون منها بالتقيؤ في وجوهنا على التواصل الاجتماعيا الرقمي. طبعا يرتفع صراخهم اكثر عندما يتماهوا مع عدو يحمل نفس المشاعر و يطمح للتوسع و نشر الفوضى.
طبعا النضال يحتاج تضحيات حقيقية و بناء الاوطان يحتاج الرؤية و العمل الجاد و العلم و الثقافة و الانجاز و قبل ذلك كله الاستقرار و الانتماء الحقيقي الذي يعطي المعنى و الاعتزاز . نموذج النضال الفيسبوكي لا يحمل اي قيمة لكن قد يشكل خطورة اذا لم توجد التوعية و الوعي لابناء الوطن و أهم اشكال الوعي هو الاعتزاز بالوطن و انجازاته و مؤسساته حتى لو اختلفنا على بعض الافراد او الممارسات و الاهم من ذلك ان نعرف من الصح و من الخطأ لان هؤلاء يهربون من مواجهة انفسهم بوجودهم في خندق التخاذل و الهزيمة باسقاطها على الاخرين ليصنفوا انفسهم بالاخيار المناضلين و الاخرين الذين يبنون و يحمون اوطانهم بالاشرار العملاء. الحقيقة التي لا بد ان تغرس في نفوس شبابنا ان من يحافظ على الاردن و يعتز بمنجزاته و يفتخر بثقافته و يعزز ثالوث الشرعية الوطنية (القيادة الهاشمية و المؤسسات و الارث الثقافي الاجتماعي) هم المناضلين الحقيقين.
نمط جديد ايضا تتبعه صفحات التيارات السياسية منتهية الصلاحية و من على شاكلتهم تبدأ بسردية تتناقلها صفحاتهم تبدأ كالاتي (افرجت امريكا و افرجت بريطانيا عن وثائق سرية تبين..) ثم قائمة بحقائق وهمية. طبعا لا يوجد وثائق و لا يوجد اساس و لكن اسلوب تكرار الكذب حتى يترسخ في الوعي كحقيقة على طريقة (حدثني بعض الاخوة..). محاولة تطهير ذاتية باتهامات معلبة لالقاء اللوم على الاخرين و الهرب من مواجهة الذات.
في عالم الرقمنة ظهر مناضلي السوشيال ميديا كورثة لابطال الشعارات المزيفة في الماضي. النضال سلعة للحصول على المكاسب و تطهير الذات باتهام الاخرين الذين يبنون اوطانهم و حافظوا على سيادتها و استقرارها. عملية غسيل للذات و التاريخ المشبوه تماما كما غسيل الاموال المشبوهه لكن التاريخ يثبت ان قمة النبل هو الحفاظ على الوطن و سيادته و ارثه و استقراره.