مكافحة الفساد والعراق نموذجًا
محمد مطلب المجالي
01-07-2026 08:07 PM
حين أعلنت السلطات العراقية عن كشف شبكات فساد كبرى وإلقاء القبض على متورطين في قضايا هزّت الرأي العام، عاد السؤال القديم الجديد يطرق أبوابنا بقوة: هل الفساد قدرٌ محتوم على أوطاننا، أم أن الإرادة الجادة قادرة على ملاحقته مهما كبر أصحابه وتعاظمت نفوذهم؟
العراق الذي أنهكته الحروب والأزمات والصراعات السياسية، وجد نفسه لسنوات طويلة في مواجهة نزيف مستمر من المال العام، حتى باتت ملفات الفساد فيه حديث الشارع قبل أن تكون حديث المؤسسات. لكن الرسالة الأهم ليست في حجم القضايا المكتشفة، بل في أن هناك من بدأ يفتح الملفات ويبحث عن الفاعلين بدل الاكتفاء بإغلاق الأدراج وطيّ الصفحات.
في عالمنا العربي لا تكاد تخلو دولة من شكاوى الناس حول الفساد وسوء الإدارة وهدر المال العام. المواطن يسمع عن مشاريع بملايين الدنانير لا يرى منها إلا لافتة صدئة، وعن طرق تُعبد كل عام ثم تُحفر في العام التالي، وعن لجان تحقق في لجان، وتقارير تدرس تقارير، ثم ينتهي المشهد بعبارة محفوظة يتقنها الجميع: "سُجلت القضية ضد مجهول."
والمفارقة الساخرة أن المجهول في أوطاننا معروف لدى الناس أكثر مما هو معروف لدى الجهات المعنية. المواطن يعرف كيف بدأت القصة، ومن استفاد منها، ومن تضخمت أرصدته بعدها، لكن الملف يظل يدور في حلقات مفرغة حتى يشيخ الشهود وتتقاعد الأوراق وتموت الحقيقة اختناقًا.
الفساد ليس مجرد سرقة مال عام، بل سرقة فرصة عمل من شاب ينتظر مستقبله، وسرقة دواء من مريض يبحث عن العلاج، وسرقة مقعد دراسي من طالب مجتهد، وسرقة حلم من مواطن أراد أن يرى وطنه يتقدم كما تتقدم الأمم.
ولهذا فإن مكافحة الفساد لا تكون بالمؤتمرات والخطب الرنانة والشعارات المعلقة على الجدران، بل بإجراءات حقيقية تبدأ من الشفافية وتنتهي بالمحاسبة العادلة التي لا تفرق بين مسؤول كبير وموظف صغير. فالقانون يفقد هيبته عندما يطارد الضعفاء ويتردد أمام أصحاب النفوذ.
العراق اليوم يقدم درسًا مهمًا مفاده أن فتح الملفات الصعبة ليس مستحيلًا، وأن المال العام ليس يتيمًا إذا وجدت مؤسسات تمتلك الشجاعة والإرادة. أما الاكتفاء بالحديث عن الفساد دون الاقتراب من جذوره، فهو أشبه بمن يصف الدواء للمريض ثم يمنعه من تناوله.
ما أحوج أوطاننا العربية من المحيط إلى الخليج إلى ثقافة جديدة عنوانها أن حماية المال العام واجب وطني لا يقل أهمية عن حماية الحدود، وأن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن المنصب خدمة لا غنيمة.
ويبقى السؤال الذي يردده المواطن العربي كل يوم: إذا كان السارق معروفًا، والشهود معروفين، والوقائع معروفة، والأموال المهدورة معروفة، فلماذا تبقى القضية سنوات طويلة تدور في الممرات ثم تخرج علينا العبارة ذاتها بكل برود:
الجاني معروف لدى الجميع... والقضية ما زالت ضد مجهول.