أثار حديث الوزير السابق مروان جمعة جدلًا واسعًا، وربما أُخرج من السياق الذي قيل فيه. فالرجل، كما فهمت حديثه، لم يكن ينتقص من الأردن، بل كان يستعيد تجربة شخصية عاشها قبل أكثر من أربعة عقود عندما كان طالبًا في الولايات المتحدة. ومن عاش تلك المرحلة يدرك أن معرفة المواطن الأمريكي العادي بجغرافيا العالم كانت محدودة، وأن اسم الأردن كان يقترن في أذهان كثيرين بالراحل الملك الحسين بن طلال، لما كان يتمتع به من حضور سياسي وإنساني استثنائي على الساحة الدولية.
لكن الزمن تغيّر، وتغيّر معه الأردن أيضًا. فمنذ تولي الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، دخل الأردن مرحلة جديدة من الحضور السياسي والدبلوماسي، واتسعت علاقاته الدولية، وتعززت مكانته كدولة مستقرة في منطقة مضطربة. ولم يعد حضور الأردن في العالم يرتبط بشخصية واحدة، بل أصبح نتاجًا لعمل مؤسسات الدولة، ودبلوماسيتها، واقتصادها، وتعليمها، وخدماتها الطبية، ودورها الإقليمي.
واليوم أصبحت صورة الأردن أكثر ثراءً وتنوعًا. فالعالم يعرف الأردن من خلال البتراء ووادي رم والبحر الميت، ويعرفه كوجهة للتعليم والعلاج والسياحة، ويعرفه أيضًا من خلال إنجازات شبابه ورياضييه. ويكفي أن نتأمل ما أحدثه تأهل المنتخب الوطني لكرة القدم إلى نهائيات كأس العالم لندرك كيف يمكن لإنجاز رياضي واحد أن يفتح نافذة جديدة يطل منها العالم على الأردن، ويضيف صفحة جديدة إلى صورته الدولية.
ولهذا، فإن الجدل الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول ما إذا كان مروان جمعة قد أصاب أو أخطأ في وصف تجربة عاشها قبل أكثر من أربعين عامًا، بل حول الكيفية التي نواصل بها بناء صورة الأردن في العالم. فصورة الدول لا تُصنع بتصريح، ولا تتغير بتعليق على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تبنيها عقود من العمل، والإنجاز، والقيادة، والثقة بالنفس. وربما كان الأجدر بنا أن نتعامل مع حديث مروان جمعة باعتباره شهادة على مرحلة تاريخية مضت، لا حكمًا على الأردن اليوم، الذي بات يملك من المقومات والنجاحات ما يجعله حاضرًا في العالم بصورة أكثر إشراقًا وثقة.