facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مكافحة الفساد… هل تبدأ بمساءلة الكبار؟


د. محمد حيدر محيلان
04-07-2026 10:13 AM

ليست معركة مكافحة الفساد معركةً لاسترداد المال العام فحسب، بل هي معركة لترسيخ العدالة وحماية هيبة الدولة واستعادة ثقة المواطن بمؤسساتها. فالمال يمكن تعويضه، أما الثقة فلا تُستعاد إلا عندما يوقن المواطن أن القانون لا يميز بين مسؤول وموظف، ولا بين صاحب نفوذ ومواطن عادي.

وما تشهده الساحة العامة اليوم يطرح سؤالاً يتجاوز أي قضية بعينها: هل تتجه الدولة إلى ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل المساءلة قاعدةً ثابتة تطبق على الجميع، أم تبقى مرتبطة بظروف كل حالة؟ فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد القوانين التي تملكها، بل بقدرتها على تطبيقها بعدالة وشفافية ودون استثناء.

إن المنصب العام ليس امتيازاً يمنح صاحبه مساحة أوسع من غيره، بل مسؤولية تتضاعف بقدر ما تتسع صلاحياته. ومن هنا، فإن مساءلة أصحاب القرار، متى اقتضى القانون ذلك، ليست انتقاصاً من هيبة الدولة، بل هي من أهم أسباب قوتها، لأنها تؤكد أن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن سيادة القانون ليست شعاراً، وإنما ممارسة يومية.

لكن الإصلاح الحقيقي لا يقف عند مساءلة الأشخاص، بل يبدأ بإصلاح البيئة التي تسمح بوقوع الخطأ. فكل قضية يجب أن تتحول إلى مراجعة للتشريعات والإجراءات، وتعزيز لقواعد الحوكمة، وتطوير لآليات الإفصاح عن تضارب المصالح، وتوسيع الرقابة الوقائية، حتى يصبح منع التجاوز أكثر فاعلية من ملاحقته بعد وقوعه.

وفي المقابل، فإن العدالة الإدارية لا تكتمل بالمحاسبة وحدها، بل تكتمل أيضاً بالإنصاف. فمن غير المنطقي أن يسلط الضوء دائماً على المقصرين، بينما تمر إنجازات المخلصين بصمت. ففي مؤسسات الدولة وهيئاتها العامة قيادات وطنية تسلمت مسؤوليات صعبة، واستطاعت بالكفاءة والنزاهة والإدارة الرشيدة أن تعيد بناء مؤسسات كانت تعاني التعثر، وأن تحسن أداءها، وأن تحقق نتائج أفضل في الخدمة أو الكفاءة أو الاستدامة المالية. هؤلاء لا يعملون انتظاراً لمكافأة، لكن الدولة الرشيدة لا تجعل الإنجاز يمر بلا تقدير.

فالإدارة الناجحة لا تقوم على العقاب وحده، بل على ميزان دقيق يجمع بين المساءلة للمقصر، والتقدير للمتميز. وعندما يشعر المسؤول أن الدولة تحاسبه إذا أخطأ، وتقدر جهده إذا أنجز، تتكون ثقافة مؤسسية تدفع نحو الإبداع وتحمل المسؤولية، بدلاً من الاكتفاء بتجنب الخطأ. إن تكريم القيادات الناجحة ليس مجاملة، بل استثمار في نجاحات جديدة، ورسالة بأن الكفاءة والإخلاص هما الطريق الحقيقي إلى القيادة.

ومن المهم التأكيد أن المساءلة لا تعني الإدانة، فالفصل في المسؤوليات القانونية يبقى من اختصاص الجهات القضائية والرقابية المختصة، واحترام الإجراءات القانونية ركيزة من ركائز دولة القانون. غير أن هذا المبدأ لا يتعارض مع ترسيخ أعلى معايير النزاهة والشفافية، لأن شاغل المنصب العام مطالب بأن يكون قدوة في تجنب كل ما قد يثير تعارضاً في المصالح أو يضعف الثقة بالمؤسسات.

إن الدول لا تنهض بكثرة الشعارات، بل بعدالة المعايير. فلا يجوز أن يخرج المجتهد والمقصر بالنتيجة نفسها، ولا أن يُترك المصلح دون تقدير، أو يُعفى المقصر من المساءلة. فالثواب والعقاب ليسا إجراءين منفصلين، بل ركيزتان متكاملتان لأي إدارة رشيدة.

فهل تبدأ مكافحة الفساد بمساءلة الكبار؟

نعم… عندما تكون المساءلة عادلة، ومحكومة بالقانون، ومصحوبة بإصلاح مؤسسي يمنع تكرار الأخطاء. لكنها لا تكتمل إلا عندما يصبح تكريم المتميزين جزءاً أصيلاً من منظومة الإدارة العامة. فالدولة القوية ليست التي تحاسب المقصرين فحسب، بل التي تعرف أيضاً كيف تصنع القدوات، وتدفع بالكفاءات إلى مواقع القيادة، وتجعل القانون والجدارة وحدهما طريق المسؤولية العامة. عندها فقط لا تكون قد كسبت معركة ضد الفساد، بل تكون قد أرست ثقافة دولة تؤمن بأن العدالة تعني مساءلة المقصر… وإنصاف المتميز.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :