الاستقالة ليست بديلا عن المحاسبة
المحامي الدكتور هيثم عريفج
04-07-2026 10:35 AM
لطالما تحدث الشعب الأردني عن الفساد والمفسدين، وحمّلهم جزءًا كبيرًا من مسؤولية ما وصلنا إليه من وضع اقتصادي متأزم، وأرقام بطالة مقلقة، وفشل إداري، وعجز في التخطيط، وغياب للرؤية القادرة على إخراج الوطن من أزماته. فالناس لم تعد ترى الفساد مجرد مخالفة مالية أو تجاوز إداري، بل تراه سببًا مباشرًا في تراجع الفرص، وتعطّل المشاريع، وضعف الثقة بالمؤسسات، واتساع الفجوة بين المواطن والحكومة.
عندما يُكتشف فساد أحد المسؤولين، لا يجوز أن تنتهي القصة باستقالة هادئة أو فصل إداري أو إبعاده عن المشهد، وكأن المشكلة انتهت بمجرد مغادرته الكرسي. فالفاسد لا يسرق مالًا فقط، بل يسرق ثقة الناس وآمال الشعب ، ويهدم فكرة العدالة، ويضرب هيبة الدولة من الداخل وبحنث بقسمه.
إن أخطر ما في التعامل مع ملفات الفساد أن تتحول المحاسبة إلى إجراء شكلي؛ يخرج المسؤول من منصبه، ثم يُطوى الملف، وتبقى الأسئلة الكبرى بلا إجابة: أين المال؟ من استفاد؟ من سهّل؟ من سكت؟ ومن حمى؟ ومن صاحب الحق الذي فقد فرصته؟
الفساد لا يعمل وحده. خلف كل فاسد غالبًا شبكة مصالح، وحلقات حماية، وضعف رقابة، وصمت مريب. لذلك فإن معالجة الفساد لا تكون بتغيير الأشخاص، بل بتفكيك المنظومة التي سمحت لهم بالفساد والاستمرار وبالنجاة.
تعب الأردنيون من رؤية بعض الفاسدين يغادرون من باب المسؤولية ليعودوا من نافذة أخرى، أو يتحولوا إلى خبر عابر في الإعلام، دون محاكمة، ودون استرداد للأموال، ودون كشف حقيقي للرأي العام. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث، لأنه يزرع في نفوس الناس قناعة مؤلمة بأن القانون قوي على الضعفاء، ومتردد أمام أصحاب النفوذ.
الدولة القوية لا تخاف من فتح ملفات الفساد، بل تخاف من إغلاقها بلا محاسبة. وهي لا تضعف عندما تحاسب مسؤولًا فاسدًا، بل تزداد احترامًا وهيبة وثقة في عيون شعبها. أما التستر، والتسويات الهادئة، والاستقالات الناعمة، فهي التي تضعف الدولة وتهز صورتها.
لا يمكن أن نتحدث عن إصلاح اقتصادي أو إداري أو سياسي، بينما يبقى الفساد قادرًا على الإفلات من العقاب. ولا يمكن أن نطلب من المواطن الصبر والتضحية، وهو يرى من نهب أو أهدر أو قصّر يخرج بلا حساب.
المطلوب اليوم واضح: لا حصانة لفاسد، ولا استقالة بدل المحاسبة، ولا فصل إداري بدل العدالة، ولا إغلاق لأي ملف قبل معرفة الحقيقة واسترداد الحقوق. فمحاربة الفساد ليست شعارًا، بل امتحان حقيقي لجدية الدولة في الإصلاح.
إن الفساد ليس خطأً إداريًا عابرًا، بل خيانة للأمانة العامة. ومن خان الأمانة لا يكفي أن يغادر المنصب، بل يجب أن يُسأل ويُحاسب، وأن يعرف الجميع أن الموقع العام مسؤولية لا غنيمة، وأن المال العام ليس مباحًا، وأن كرامة الدولة تبدأ من قدرتها على محاسبة من أساء إليها.
هذه هي المعادلة التي ينتظرها الأردنيون: محاسبة قبل النسيان، وعدالة قبل التسويات، واسترداد للمال العام قبل تغيير الوجوه. أما غير ذلك، فسيبقى مجرد فصل جديد من لعبة الفساد.