الإنصهار الثقافي والوعي الجغرافي: بوتقة الإنصهار الأمريكي مثالا
الدكتور عادل الطويسي
04-07-2026 06:56 PM
في عام 1982 التحقت بدراستي في الولايات المتحدة الأمريكية نحو درجتي الماجستير والدكتوراة مبعوثا على حساب جامعة مؤتة الحديثة الإنشاء آنذاك. وذات يوم ذهبت وزوجتي الى سوق السبت ( الذي يشبه سوق الجمعة عندنا الى حدّ ما). تجولنا بين ما كان يعرض في السوق. تعرضنا في اكثر من موقف لسؤال: "من أين أنتما"؟ إسبان؟ مكسيكان؟ ...الخ. جوابنا كان، نحن من الأردن. الردّ في معظمه : وأين هي؟ فنبدأ بالمقاربة من الشرق الأوسط، بجانب نهر الأردن الذي عمّد فيه المسيح، من بلد الملك حسين. الجواب: أوووه الملك حسين؟! أهلا بكما في الولايات المتحدة. لكن ذلك الجهل بالجغرافيا لم يكن موجودا (الى حدّ كبير) في مجتمع الجامعة.
تعود ضحالة معرفة قطاع واسع من الأمريكان بجغرافية العالم، وفقا لكثير من التحليلات، الى ما إتفق عل تسميته ب بوتقة الإنصهار الأمريكي(The melting pot) . فما هي؟
شاع استخدام هذه العبارة بشكل خاص بعد مسرحية "بوتقة الانصهار" التي كتبها زانغويل عام 1908 ، والتي تدور حول فكرة أن المهاجرين من جميع أنحاء العالم الى القارة الجديدة يمكنهم العيش كأمريكيين بغض النظر عن خلفياتهم الإثنية أو الدينية أو القومية أو الثقافية. إلا أن الأمر سبق المسرحية بزمن طويل يعود الى بدايات تأسيس الولايات المتحدة وبتسميات أخرى، مثل: وعاء السلطة، أو الفسيفساء الثقافية، وغيرها.
لقد بنيت فلسفة التعليم المدرسي في الولايات المتحدة على تحقيق مضامين بوتقة الإنصهار الثقافي. وذلك من خلال تشجيع الناس من خلفيات مختلفة على إيجاد أرضية مشتركة تخلق هوية أمريكية مشتركة. وأن المجموعات الثقافية المختلفة يمكنها الحفاظ على بعض من هوياتها وخصوصياتها الثقافية ، على أن تنصهر في الثقافة الأمريكية الجامعة.
أدت هذه الفلسفة في التعليم الى التركيز كليا على كل ماهو خاص بالثقافة الأمريكية، كما أدت الى ابتعاد الأمريكان عن الإهتمام بالعالم خارج الولايات المتحدة. فلا غرو إذا، أن يتهم الأمريكان بقلة الوعي الجغرافي العالمي؛ فقد إنصهروا في بوتقتهم أو فسيفسائهم الثقافية!