لسنواتٍ خلت، كانت الإذاعة تأخذنا إلى البعيد، وكان الليل عامرًا بالشوق والعاطفة والتأمل. كان الليل يأخذنا، وكانت الإذاعات تقدم البرامج التي نسهر معها، ونستمع إلى ما تزخر به من الحكايات والذكريات.
إنه الليل الذي عبَّرت عنه المطربة الشهيرة شريفة فاضل في أغنيتها التي دوَّت في آفاق السبعينيات من القرن الماضي: «الليل موال العشاق»، فأطربتنا وسهرنا معها ومع أغاني الزمن الجميل. وشريفة فاضل هي أم البطل؛ إذ استشهد ابنها الطيار أثناء التدريب، رحمه الله، فغنَّت أغنيتها الشهيرة «أم البطل».
ولليل حكايات لا تُنسى مع الشعراء. ولا أزال أذكر، أثناء دراستي في المرحلة الثانوية في مدرسة معاوية بن أبي سفيان، التي كانت بجوار الملعب البلدي في حي جناعة بالزرقاء، عندما كان يدرِّسنا الأستاذ فتحي الدقة اللغة العربية، وكان يمنح القصيدة بُعدها الجمالي. وعندما أخذه الشوق، وأخذنا معه، أبدع في تصوير بيت المتنبي:
ليالي بعد الظاعنين شكولٌ
طِوالٌ، وليلُ العاشقين طويلُ.
إنه الليل، موال العشاق والحائرين، ومصدر الراحة والهدوء والسكينة والتأمل.
وكما أن الليل جميل، والنجوم فيه بارزات، والقمر يأخذك إلى الشوق والحنين والذكريات، فإن طوله أحيانًا يزيد من هموم المهمومين والعشاق والحائرين. ألم يقل امرؤ القيس:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ
عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الْهُمُومِ لِيَبْتَلِي
ويبقى الليل راحة المتعبين، وسحر العاشقين، وخيال المتأملين، وأحلام الباحثين عن كل جديد وتجديد.
*****
للتأمل:
قال الشاعر:
أُسَامِرُ اللَّيْلَ بِالأَشْوَاقِ أُرْسِلُهَا
لَعَلَّ طَيْفًا مِنَ الْمَحْبُوبِ يَأْتِينَا
[email protected]