حملة الايادي البيضاء ضد الفساد .. وجهه نظر
د. مالك القصاص
07-07-2026 01:14 PM
يعتبر الفساد من أبرز التحديات التي تعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الدول، حيث يؤدي إلى هدر موارد الدول، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وتعطيل الاستثمار والخدمات العامة. كما وتعتبر الإرادة السياسية من العوامل الحاسمة في نجاح جهود مكافحة الفساد، وبناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتحقيق التنمية المستدامة.
الإرادة السياسية هي التزام القيادة السياسية وأجهزة الدولة بمواجهة الفساد بجدية وشفافية، من خلال سن القوانين وإصدار تشريعات فعالة، وتطبيقها على الجميع دون استثناء، وتوفير الموارد اللازمة للأجهزة الرقابية والقضائية، وتعزيز استقلالية القضاء والأجهزة الرقابية، ودعم مبادئ النزاهة والمساءلة.
في ذات الشأن، تعتبر حملة مكافحة الفساد الكبرى في إيطاليا، والمعروفة تاريخيا باسم "الأيادي البيضاء او النظيفة" (Mani pulite)، من أضخم العمليات القضائية ضد الفساد السياسي والمالي في التاريخ الحديث. انطلقت هذه الحملة في 17 فبراير 1992، وشكلت زلزالا سياسيا أدى إلى انهيار ما كان يعرف بـ "الجمهورية الإيطالية الأولى".
وكما وأدت هذه الحملة الى اختفاء العديد من أحزابها التاريخية، وانتحار بعض الزعماء السياسيين وقادة الصناعة، بعد كشف فسادهم أمام الإيطاليين.
قاد هذه الحملة القاضي انطونيو دي بيترو (Antonio Di Pietro)، الذي خاض معركة شرسة مع الفاسدين أفضت الى اعتقال أكثر من 3000 شخص من السياسيين والحزبيين والنواب، ورجال الاعمال، واصحاب الاموال وكبار موظفي الدولة، ورؤساء حكومة سابقين.
بدأت شرارة هذه الحملة بشكل غير متوقع في ميلانو، عندما ألقى القاضي الشجاع أنطونيو دي بيترو القبض على المسؤول والسياسي "ماريو كييزا" (Mario Chiesa) متلبسا بتقاضي رشوة قيمتها 7 ملايين ليرة إيطالية (مبلغ صغير آنذاك) من شركة تنظيف صغيرة لصالح مستشفى، والذي أدى إلى اكتشاف نظام فساد بنيوي وضخم أطلق عليه الإعلام اسم "تانجينتوبولي" (Tangentopoli) أو "مدينة الرشاوى".
في ذات السياق، أدى كل ذلك الى استقالة الحكومة في 21 نيسان 1993، والإطاحة بالحزب الاشتراكي، كما تمت الإطاحة بالحزب الديمقراطي المسيحي (الذي حكمَ إيطاليا ما لا يقل عن 45 عاما)، وإجبار أبرز زعماء الأحزاب والسياسيين اما على الاستقالة أو على الهجرة الى المنفى، في حين خاضت احزاب اخرى عمليات تغيير داخلية بشكل جذري، وظهرت احزاب جديدة لتسيطر على الفراغ السياسي الذي تركه الزعماء القدماء.
أخيرا وكعادتي لابد ان اتناول الموضوع من زاويتي الأردنية حيث يتطرق الى ذهني الفساد بكل انواعه، كالإداري والسياسي، واسأل نفسي: هل يمكن عمل استراتيجية وطنية شاملة وحقيقية، لمكافحة الفساد، مما يساهم في التحديث السياسي والإصلاح الإداري والاقتصادي لتحقق آمال وطموحات الشعب الأردني، مع الاخذ بعين الاعتبار الاستفادة من خبرات البلدان الاخرى؟
إن مكافحة الفساد لا تتحقق بمجرد سن القوانين أو عمل الأجهزة الرقابية، بل تعتمد بشكل أساسي على وجود إرادة سياسية حقيقية وجادة في تطبيق مبدأ المساءلة والعدالة على الجميع دون استثناء. كما وشهدنا كيف ساهمت الإرادة السياسية، في العديد من الدول المجاورة، مثل السعودية والعراق وغيرها، في ملاحقة الفساد واسترداد الأموال العامة وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة.
نحن بحاجة الى حكومة قوية وبصيغة نوعية ومختلفة لتحقق آمال وطموحات الشعب الأردني، وكذلك لتكون بداية لبناء الثقة المطلوبة بين الشعب وقواه المجتمعية ومؤسسات الدولة. وكما ولابد ان تكون الحكومة قادرة على مواجهة الفساد، والتحديث السياسي، والإصلاح الإداري والاقتصادي.
ومن المبهج ان نشهد أول استقالة من الحكومة معلنة ومسببة تعرض تفاصيلها للرأي العام في الأردن. حيث تمثل هذه الخطوة قاعدة مهمة في الإدارة العامة، تهدف إلى تعزيز النزاهة والشفافية في العمل الحكومي، وحماية العمل الحكومي من أي شبهة تتعلق بالمال العام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فهل نحن على الطريق الصحيح؟