أخطر ما حدث للإنسان في هذا العصر أنه لم يعد يحتاج إلى الكذب. يكفي أن يكرر ما يراه أمامه حتى يظنه حقيقة. لم تعد الأفكار تولد في العقول كما كانت، وإنما تصل جاهزة، مصقولة، ومجربة، ثم تستقر داخل الرأس بهدوء يشبه استقرار الغبار على نافذة لم تفتح منذ زمن. وبعد وقت قصير، يعجز صاحبها عن التمييز بين ما فكر فيه حقا وما فكر فيه غيره نيابة عنه. هكذا، من غير انقلاب ولا ضجيج، بدأت أكبر عملية استعارة للعقول في التاريخ. لم ينتزع أحد حرية الإنسان، وإنما أقنعه أن يسلمها بيده، ثم منحه وهما جميلا اسمه حرية التعبير.
حين ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، بدت كأنها وعد جديد للبشرية. قيل إنها ستقرب المسافات، وتفتح أبواب الحوار، وتمنح الجميع فرصة متساوية للكلام. بدا العالم أكثر قربا، وأكثر قدرة على الإصغاء. غير أن هذه الساحات الرقمية أخذت تتغير بهدوء. الجسور التي حلمنا بها تحولت في كثير من الأحيان إلى متاريس، والاختلاف صار مناسبة للاشتباك، والرأي غدا هوية مغلقة، يدافع عنها أصحابها كما لو أنها حدود وطن.
ولم يكن الخطر في كثرة الأصوات بقدر ما هو كامن في الطريقة التي أعادت بها الخوارزميات تشكيل الوعي. فهي لا تمنح الإنسان ما يحتاج إلى معرفته، وإنما ما يرغب في سماعه. تحيطه بأشباهه، وتكرر قناعاته، وتعيد إنتاج أفكاره حتى يظن أن العالم كله نسخة واحدة منه. ومع الأيام تضيق زاوية الرؤية، ويغدو الإنصات ضعفا، والتراجع هزيمة، والاعتراف بالخطأ رفاهية لا يحتملها أحد.
في هذا المناخ يولد ما يمكن تسميته بالعقل المستعار. عقل لا يتوقف عن التفكير، لكنه يفكر بما يلقن له. يهاجم الكراهية وهو يمارسها، ويطالب بالحرية وهو يصادرها، ويحتفي بالتسامح وهو يطارد كل رأي لا يشبه رأيه. يؤمن بالفكرة ونقيضها في الوقت نفسه، من غير أن يشعر بأي تناقض، لأن تدفق الصور والمنشورات أسرع من قدرة الضمير على المراجعة، وأسرع من الذاكرة التي تحفظ المواقف.
لهذا لم تعد المعركة مع الشاشة التي نحملها. المعركة مع المرآة التي نصنعها داخلها. فحين يتوقف الإنسان عن مراجعة أفكاره، ويتحول عقله إلى صدى لما تعرضه الخوارزميات، يفقد أثمن ما يملكه من غير أن ينتبه. وحين يستيقظ ذات صباح ليجد أن غضبه يشبه غضب الملايين، وفرحه يشبه فرحهم، وحتى يقينه يشبه يقينهم، سيدرك أن أخطر أنواع الهيمنة لم تحتل أرضا، ولم تهدم مدينة، ولم ترفع سلاحا. اكتفت بأن تستعير العقل.. ثم أعادته إلى صاحبه، وهو يظنه ما يزال عقله.
الدستور