facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سلام ينهي كل سلام: البنية الهشة للدبلوماسية الأمريكية - الإيرانية


د. محمود قدره العناقرة
09-07-2026 02:34 PM

غالبًا ما يُحكم على الاتفاقيات الدبلوماسية من خلال إمكانية التوصل إليها من عدمه، لكن استمراريتها تعتمد على أمر أقل وضوحًا: وهو فيما إذا كانت الأنظمة السياسية المحيطة بها قادرة بالفعل على تحمل ما تنتجه هذه الاتفاقيات، فالخطر الأعمق قد لا يكمن في الفشل الدبلوماسي، بل في محاولة حل الكثير من المشكلات دفعة واحدة.

وجهة النظر التقليدية ترى أن الدبلوماسية تزداد صعوبة كلما تضاعفت الصراعات، ولكن في الواقع، يمكن أن يحدث العكس تماماً؛ فمع توسع المفاوضات، تبدأ في استيعاب نزاعات تسير وفق جداول زمنية سياسية وعسكرية مختلفة ومتعاكسة.

ملفات مثل القيود النووية، وتخفيف العقوبات، والأمن البحري في مضيق هرمز، والأصول المجمدة، والنزاعات الإقليمية بالوكالة، والمخاوف الأمنية في الخليج، ومستقبل لبنان، كلها ملفات تناقش ضمن إطار عمل واحد، ورغم أن كل قضية تبدو منطقية بحد ذاتها، إلا أنها مجتمعة قد تتجاوز ما يمكن لأي اتفاق واحد أن يتحمله.

"الربط بين الملفات" ليس أمراً جديداً في الدبلوماسية، ففي العديد من التسويات الماضية، كان الربط بين القضايا ضرورياً لتحقيق التوازن، لكن المشكلة لا تكمن في الربط نفسه، بل في ضغط صراعات متعددة ومتداخلة في جدول زمني دبلوماسي واحد، دون وجود القدرة المؤسسية لإدارة ما يترتب على ذلك.

وتوضح الأحداث الأخيرة وتصريحات ترمب حول الغاء الاتفاقية مع إيران، هذا الضغط بوضوح شديد، فالأعمال العدائية البحرية في الخليج تتردد أصداؤها الآن في دبلوماسية العقوبات، كما ظهر في العمليات الدفاعية الأخيرة للقيادة المركزية الأمريكية، حيث نفذت القوات الأمريكية ضربات جراحية منتقاة، ولأن الإطار الدبلوماسي يتعامل بجرأة مع المسارح الاستراتيجية المنفصلة كأوراق مساومة مترابطة، فإن إجراءات الإنفاذ البحري المحلية تثير على الفور ردود فعل إقليمية أوسع، فبعد ساعات من هذه العمليات الأمريكية، شن الحرس الثوري الإسلامي حملة انتقامية ضد اهداف تعتبرها ايران رخوة، وما قد يعتبر collateral damage في اطار هذه المناوشات، ومرة أخرى، يجد الأردن ودول الخليج نفسها انها باتت مكشوفة لعواقب نزاعات ليست طرفاً رئيسياً فيها، ويصبح الاستقرار في منطقة ما معتمداً على الاستقرار في عدة مناطق أخرى في وقت واحد، وهنا، لم يعد السؤال المطروح هو فيما إذا كان من الممكن إدارة هذه الملفات، بل ما إذا كان من الممكن إدارتها بالتزامن، فالقضية الأعمق تتجاوز الدبلوماسية نفسها، فالمفاوضات الحالية تُطالب بالقيام بشيء لم تُصمم من أجله، وهو: إنتاج نظام إقليمي دائم.

الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مصالحة فورية بين القوى المتنافسة، بل يحتاج إلى إطار عمل قابل للتطبيق للتعايش، ومن المرجح أن يشبه هذا الإطار "سلاماً بارداً" أكثر من كونه شراكة حقيقية؛ ترتيب يستمر فيه الخصوم في التنافس وعدم الثقة ببعضهم البعض، لكنهم يقبلون بوضع حدود للتصعيد ويدركون المصلحة المشتركة في منع نشوب حرب أوسع نطاقاً.

ونادراً ما تتحقق مثل هذه النتائج من خلال الاتفاقيات الفنية وحدها، بل إنها تنبثق من تفاهمات أوسع يمكنها الصمود أمام الأزمات، وتغير القيادات، ولحظات التصعيد. والسؤال هنا هو فيما إذا كانت المفاوضات التي تركز على العقوبات، وحدود التخصيب، والردع يمكنها أيضاً تحمل هذا العبء.

وهنا يكمن العبء الأكبر الذي يضغط على العملية الحالية: فإطار العمل الذي صُمم في الأصل حول القيود النووية وتخفيف العقوبات يُستخدم لمعالجة بنية الأمن الإقليمي ككل، وهذا التحول يخلق فجوة بين الطموح والقدرة؛ بين ما يُتوقع من الاتفاق حله وما يمكنه تحمله واقعياً.

هذا الأمر مهم لأن الدول لا تملك قدرة غير محدودة على التكيف. فإيران دخلت المفاوضات تحت ضغط اقتصادي وإجهاد مؤسسي، وأي اتفاق يتطلب تغييرات متزامنة في السياسة النووية، والامتثال للعقوبات، والسلوك البحري، والعلاقات الإقليمية، والإدارة الاقتصادية المحلية، يضع متطلبات ثقيلة على قدرة الدولة.

وإذا تجاوزت الضغوط على مؤسسات الدولة الإيرانية قدرتها على التكيف، فإن النتيجة قد لا تكون الانهيار، بل زيادة التفتت على هوامش السلطة، فمن المناطق الكردية إلى الجنوب الشرقي البلوشي، قد يؤدي ضعف التماسك الإداري إلى توليد حالة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها، ويصعب التراجع عنها.

ومن منظور واقعي، لا يُعد هذا مصدر قلق ثانوياً؛ فقوة الدولة وقدرتها جزء من التوازن الإقليمي نفسه، والاتفاقيات لا تصمد لمجرد أنها وُقعت، بل تصمد لأن جميع الأطراف تظل قادرة على تنفيذها. وإيران الأقل تماسكاً لن تنتج بالضرورة شرقاً أوسطياً أكثر نظاماً، بل قد تمتد العواقب لتشمل أسواق الطاقة، والممرات البحرية، والدول المجاورة التي تعاني بالفعل من الضغوط.

لذلك، فإن التحدي الذي يواجه واشنطن لا يقتصر ببساطة على كيفية التوصل إلى اتفاق مع طهران، بل في كيفية تصميم إطار عمل يتناسب مع المنطقة التي يُفترض أن يحكمها.

وإذا أُريد للدبلوماسية أن تنجح، فقد يتعين فصل بعض القضايا إلى مسارات متوازية بدلاً من فرضها في جدول زمني واحد، وهذا ليس تمييعاً للدبلوماسية، بل هو اعتراف بأن الصراعات لا تتطور كلها بنفس الوتيرة.

ولا يجب أن يكون الهدف تسوية كبرى تحل كل نزاع دفعة واحدة، بل بنية إقليمية قادرة على إدارة التنافس دون تكرار الحروب، ويجب أن يأخذ أي إطار عمل مستدام في الاعتبار الشركاء الإقليميين الذين قد تشكل مصالحهم الأمنية النتائج بعد فترة طويلة من انتهاء المفاوضات، وكما تظهر الضربات الارتدادية المدمرة في الأردن والكويت والبحرين وقطر، فإن الدول المجاورة هي أطراف رئيسية وصاحبة مصلحة ويجب أن يكون لها قبول حقيقي لكي يستمر الاتفاق.

وأخيراً، ينبغي للمراقبين الحذر من مساواة الخطاب العام بالمضمون الدبلوماسين فالتصريحات غالباً ما تُصاغ للجماهير المحلية، والخصوم، والحلفاء، والأسواق المالية، بدلاً من أن تكون انعكاساً شفافاً لواقع التفاوض، ومعظم الدبلوماسية الأكثر أهمية وتأثيراً تحدث خلف الرسائل الرسمية، عبر تبادل الإشارات والغموض البنّاء، وليس من خلال التصريحات.

وبهذا المعنى، فإن الخطر الذي يواجه واشنطن ليس فشل الدبلوماسية، بل نجاحها على الورق؛ ورقة تبدو كالصلح، في حين أنها تتجاوز قدرة النظام على جعلها حقيقة واقعة. والإطار الدبلوماسي الذي يحاول حل الكثير من الصراعات دفعة واحدة يخاطر بإنتاج نتائج واسعة النطاق ولكنها هشّة وقاتلة في مرحلة التنفيذ.

وفي الشرق الأوسط، ليست الاتفاقيات الأكثر خطورة هي تلك التي تفشل بشكل قاطع، بل تلك التي تعطي وهماً مؤقتاً بالنجاح قبل أن تنهار تحت وطأة تناقضاتها الهيكلية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :