لماذا ما زال العرب يقاتلون معارك القرن الماضي بينما تُحسم معارك المستقبل دونهم؟
سمير حمدان - بودابست
12-07-2026 09:42 AM
ليست أزمة العرب أنهم يفتقرون إلى الموارد، ولا أنهم خسروا معارك الماضي، بل أنهم ما زالوا يقيسون القوة بتعريف تاريخي تجاوزه العالم، فالأمم لا تتراجع عندما تنقصها الإمكانات فقط، وإنما عندما يصبح تصورها لمصادر النفوذ أقدم من العصر الذي تعيش فيه، هكذا يتغير التاريخ، لا بانهيار الدول، بل بانهيار المعايير التي كانت تمنحها المكانة، خلال القرن العشرين ارتبط النفوذ بالأرض، والجيوش، والموارد الطبيعية، أما اليوم فأصبحت القوة تقاس بالمعرفة، والابتكار، والبيانات، والقدرة على إنتاج التكنولوجيا وتحويلها إلى قيمة اقتصادية، وتأثير سياسي، ونفوذ مستدام، لم يعد السؤال من يملك أكثر، بل من ينتج أكثر، ومن يجعل العالم أكثر حاجة إليه، لأن الثروة لم تعد في امتلاك الموارد وحدها، بل في القدرة على تحويلها إلى معرفة، وصناعة، وتأثير .
ومن هنا تبدأ المعضلة العربية، فجزء كبير من النقاش العام ما زال أسيراً لسؤال من المسؤول عن التراجع، الاستعمار، والاحتلال، والتدخلات الخارجية، والانقسامات الداخلية، والأنظمة الفاشلة، وكلها عوامل حقيقية لا يمكن إنكارها، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى مشروع للنهوض، فالتاريخ لا يكافئ الأمم التي تتقن تفسير أزماتها، بل يكافئ الأمم التي تعيد تعريف مصادر قوتها بما ينسجم مع التحولات العالمية، لأن تشخيص المرض لا يصنع العلاج، ولأن تفسير أسباب التعثر لا يوازي امتلاك أدوات الانطلاق، الفارق الحقيقي بين الأمم ليس في حجم الأزمات التي واجهتها، بل في نوعية الأسئلة التي اختارت أن تبني عليها مستقبلها .
ولهذا لم يعد النجاح يقاس بما تملكه الدول من موارد، بل بسرعة قدرتها على تحويل المعرفة إلى نفوذ، فخلال السنوات الأخيرة لم تتصدر المنافسة العالمية الدول الأكثر امتلاكاً للثروات، بل الدول التي استثمرت في الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والحوسبة المتقدمة، والتقنيات الحيوية، لأنها أدركت أن السيطرة على التكنولوجيا تعني التأثير في الاقتصاد، والأمن، وسلاسل الإمداد، وحتى في القرارات السيادية للدول الأخرى، ولهذا أصبح الاستثمار في الإنسان، والبحث العلمي، والابتكار، الخيار الاستراتيجي الأكثر ربحاً، لأن المعرفة لم تعد تدعم القوة، بل أصبحت هي القوة نفسها .
والتحول الأكثر عمقاً أن الاقتصاد العالمي انتقل من اقتصاد يقوم على استخراج الموارد إلى اقتصاد يقوم على المعرفة والسيادة التكنولوجية، ففي الماضي كانت الثروة الطبيعية تمنح الدول أفضلية استراتيجية طويلة الأمد، أما اليوم فإن قيمتها تتحدد بقدرة الدولة على توظيفها داخل منظومة ابتكار متقدمة، ولم تعد الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والبنية الرقمية، مجرد قطاعات اقتصادية، بل أصبحت البنية الأساسية للقوة، فمن يطور التقنيات يضع المعايير، ومن يضع المعايير يعيد تشكيل الأسواق، ومن يعيد تشكيل الأسواق يمتلك نفوذاً يتجاوز حدوده الجغرافية، ويؤثر في قرارات الآخرين .
وخلال العقدين المقبلين لن يكون التنافس العالمي على امتلاك الموارد بقدر ما سيكون على امتلاك العقول القادرة على إنتاج المعرفة، فالجامعات، ومراكز البحث، وشركات التكنولوجيا، أصبحت جزءاً من البنية الاستراتيجية للدولة، ولم يعد الاستثمار في التعليم قضية اجتماعية، بل قراراً سيادياً طويل الأمد، لأن الدول التي تفشل في إنتاج المعرفة ستعتمد على غيرها في التكنولوجيا، والدواء، والطاقة، والأمن الرقمي، وتحليل البيانات، وعندها يصبح جزء من استقلالها الاقتصادي والسياسي مرهوناً بمن يمتلك المعرفة، لا بمن يمتلك الموارد، وستكون القدرة على جذب العقول، وتطوير الابتكار، وصناعة المعايير العالمية، المؤشر الحقيقي على مكانة الدول في النظام الدولي الجديد، ولهذا سيصبح معدل إنتاج المعرفة، لا حجم الثروة، المؤشر الأكثر دقة على مكانة الدول في النظام الدولي خلال العقود المقبلة .
ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد مكانة الأمم لم يعد كيف ننتصر على خصومنا، بل كيف نصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، فالدول التي تنتج المعرفة تكتب قواعد المنافسة، والدول التي تبتكر التكنولوجيا تعيد تعريف القوة، والدول التي تخلق قيمة يحتاجها الآخرون لا تطالب بمكانة، بل تفرضها، فالمستقبل لا يكافئ من يتمسك بتعريفات الأمس، بل من يصوغ تعريفات الغد، وربما ليست أزمة العرب أنهم تأخروا عن معارك المستقبل، بل أنهم ما زالوا يقيسون المستقبل بأدوات الماضي، ففي القرن الحادي والعشرين لا يمنح التاريخ وزناً لمن يروي ماضيه بإتقان، وإنما لمن يضيف إلى مستقبل البشرية ما يجعل غيابه خسارة لا يستطيع العالم تعويضها .