facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قضية وزير العمل .. أين كسبت الحكومة وأين تعثرت؟


د. محمد كامل القرعان
13-07-2026 11:48 AM

في إدارة الأزمات، لا يُقاس النجاح بالقرار الإداري وحده، بل بقدرة الدولة على إدارة الرواية الإعلامية التي تواكب ذلك القرار. ففي عصر الإعلام الرقمي، أصبحت سرعة تداول المعلومات تفوق سرعة اتخاذ القرارات، وأصبح الرأي العام يتشكل خلال دقائق عبر منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تصل الرواية الرسمية إلى الجمهور.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة قضية طلب رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان استقالة وزير العمل الدكتور خالد البكار بوصفها حالة تستحق الدراسة في إطار الاتصال الحكومي وإدارة الأزمات، بعيدًا عن الأشخاص، وبعيدًا عن إصدار الأحكام، فالغاية ليست تقييم القرار بقدر ما هي تحليل طريقة إدارة الحدث إعلاميًا.

لا شك أن القرار حمل رسالة مؤسسية مهمة، مفادها أن الالتزام بمدونة السلوك الوزارية ومعايير الحوكمة وتجنب تضارب المصالح يمثل جزءًا من المسؤولية العامة، وأن الحفاظ على ثقة المواطنين بالمؤسسات يعد أولوية في العمل الحكومي. ومن هذه الزاوية، فإن سرعة اتخاذ القرار تعكس حرص الحكومة على تأكيد احترامها للمعايير الأخلاقية والإدارية.

لكن إدارة الأزمات لا تبدأ عند إصدار القرار، بل عند كيفية تقديمه للرأي العام.

ففي الساعات الأولى من تداول القضية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي سيلًا من التحليلات والتفسيرات والتعليقات، بعضها استند إلى معلومات غير مكتملة، وبعضها خلط بين مفاهيم قانونية وإدارية مختلفة. وفي مثل هذه الحالات، يصبح عنصر الوقت هو العامل الحاسم في بناء الرواية الوطنية.

كان من الممكن أن تواكب القرار خطة اتصال حكومي أكثر شمولًا، تبدأ ببيان أولي سريع يوضح أن الحكومة تتابع القضية، ثم إحاطة إعلامية أو مؤتمر صحفي يشرح للرأي العام الأسس التي استند إليها القرار، مع توضيح الفرق بين المسؤولية القانونية، إن وجدت، والمسؤولية السياسية أو الإدارية المرتبطة بمدونة السلوك وتضارب المصالح. فكلما كانت الرسالة أكثر وضوحًا، تراجعت مساحة التأويل، وتعززت ثقة الجمهور بالمؤسسات.

كما كان من الممكن أن تتولى جهة اتصال حكومية واحدة إدارة الملف إعلاميًا، لضمان وحدة الرسالة، والإجابة عن استفسارات وسائل الإعلام، مع الاستفادة من المنصات الرقمية الرسمية لنشر معلومات موثقة، ورسائل توضيحية، وإنفوجرافيك يشرح المفاهيم المرتبطة بالقضية، بما يحد من انتشار المعلومات غير الدقيقة.

وفي المقابل، ينبغي التأكيد على أن الإعلام الوطني لا يتمثل دوره في الدفاع عن الأشخاص، ولا في تبرير القرارات، وإنما في تقديم المعلومات الدقيقة، وشرح الإجراءات، ونقل الرواية الرسمية بمهنية، مع فتح المجال للنقاش الموضوعي القائم على الحقائق. فالإعلام المهني هو الذي يعزز ثقة المجتمع بالمؤسسات، لأنه يوازن بين حق الجمهور في المعرفة، وحق الدولة في أن تصل روايتها كاملة وواضحة.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الحكومات التي تنجح في إدارة الأزمات هي تلك التي تسبق الشائعة بالمعلومة، وتسبق التأويل بالتفسير، وتسبق الجدل بالشفافية. فالأزمة الإعلامية لا تنشأ دائمًا من القرار نفسه، بل من الفراغ الذي يسبق وصول الرواية الرسمية إلى الرأي العام.

ومن هنا، فإن قضية البكار تقدم درسًا مهمًا في الاتصال الحكومي أكثر مما تقدمه في الإدارة العامة. فهي تذكرنا بأن اتخاذ القرار يمثل بداية إدارة الأزمة، وليس نهايتها، وأن نجاح أي حكومة في العصر الرقمي يقاس بقدرتها على إدارة القرار وإدارة الرواية في آن واحد.

إن الأردن يمتلك مؤسسات راسخة وخبرات تراكمت في العمل الحكومي، إلا أن التحولات المتسارعة في البيئة الإعلامية تفرض تطوير منظومة الاتصال الحكومي، بحيث تنتقل من الاكتفاء بإصدار البيانات إلى بناء استراتيجية اتصال استباقية، تقوم على السرعة، والشفافية، ووحدة الرسالة، والتفاعل مع الرأي العام.

وفي النهاية، فإن الثقة العامة تُبنى عندما يشعر المواطن أن الدولة تبادر إلى تقديم الحقيقة، وتشرح قراراتها بوضوح، وتدير الأزمات باعتبارها فرصة لتعزيز الحوكمة والمساءلة، لا مجرد حدث عابر. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم يعد يكفي أن تتخذ الحكومة القرار الصحيح، بل أصبح عليها أيضًا أن تضمن وصول روايتها إلى المواطنين بالسرعة والوضوح نفسيهما اللذين اتخذت بهما القرار.

في تقديري، نجحت الحكومة في توجيه رسالة مؤسسية تؤكد أهمية الالتزام بمعايير الحوكمة ومدونة السلوك، وهو ما يُحسب لها على مستوى القرار. إلا أن إدارة الاتصال الحكومي لم تحقق الأثر ذاته؛ إذ سبق النقاش على منصات التواصل الاجتماعي الرواية الرسمية، واتسعت مساحة التأويل قبل أن تكتمل الصورة. لذلك، يمكن القول إن الحكومة كسبت القرار، لكنها لم تحقق المكسب الإعلامي الكامل الذي كان ممكنًا لو أُديرت الأزمة باتصال أكثر سرعة ووضوحًا وتفاعلًا. فالقرار الصحيح يحتاج إلى رواية صحيحة تصل في الوقت الصحيح، وإلا فإن الرأي العام سيبني روايته الخاصة.

* أستاذ الإعلام والاتصال المشارك





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :