facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من وحي التجربة .. إدارة الموارد البشرية في قلب العاصفة!


د. جهاد يونس القديمات
13-07-2026 03:32 PM

في تقديري تعتبر إدارة الموارد البشرية من أكثر الوظائف ديناميكية وحساسية في أي منظمة، فهي تقف دائما في قلب العاصفة (التوتر) بين الإدارة والموظفين وتتحمل عبء القرارات مهما كانت النوايا، وبعد أكثر من عقدين من العمل في هذا المجال وفي قطاعات مختلفة، أستطيع القول إنها من أكثر الوظائف تصادمية مهما امتلك من يشغلها من دبلوماسية ولباقة وحنكة، وقدرة على احتواء الأشخاص والمواقف.

ان إرضاء الإدارة قد يأتي أحيانا على حساب الموظفين، والانحياز لمطالب الموظفين قد لا يلقى قبولا لدى أصحاب القرار، وبين هذا وذاك يبقى الضمير المهني هو البوصلة التي يصعب تجاهلها، حتى أن سياسة "مسك العصا من المنتصف" ليست دائما الخيار الأمثل، لأنها قد تبدو ضعفا في مواقف تتطلب قرارا حاسما وسريعا، وقد لا ترضي الإدارة التي تنتظر وضوحا وحزما في اتخاذ القرار، فعندما تكون هناك أنظمة وتشريعات واضحة تطبق على الجميع دون استثناء ولا تكيل بمكيالين وتعطي كل ذي حق حقه مقابل أداء الواجب المطلوب، يمكن حينها التخفيف من حدة هذا التصادم ، وكلما كانت القواعد عادلة، قل الاعتماد على الاجتهادات الشخصية.

اعلم ان لكل مدير موارد بشرية أسلوبه الخاص، لكن النجاح الحقيقي في هذه المهنة لا يكمن في التمسك بأسلوب واحد وإنما في القدرة على التنقل بمرونة بين الأساليب المختلفة وفقا لاختلاف الشخصيات، وتنوع أنماط السلوك واختلاف البيئات المنظمية، وهذه في حد ذاتها مهارة لا يتقنها الجميع، فالوظيفة لا تقتصر على المعرفة الإدارية بل تجمع بين المهارات الإدارية والقانونية والنفسية والاجتماعية، إلى جانب الكفاءة الفنية اللازمة لفهم أنظمة العمل وإجراءاتها وتطبيقها بعدالة، إنها حقا وظيفة حساسة تتطلب قدرا عاليا من الذكاء العاطفي وحسن اختيار الأسلوب المناسب في الوقت المناسب، ومراعاة ثقافة المنظمة وطبيعة بيئة العمل، لأن ما ينجح في إدارة منظمة قد يفشل في أخرى.

للأسف، لا تدرك الكثير من إدارات الدور الحقيقي لادارة الموارد البشرية، فتختزل هذه الوظيفة في مراقبة الحضور والانصراف وتوجيه الكتب الرسمية وإيقاع العقوبات ومتابعة التأمين الصحي والإجازات وسائر الإجراءات الإدارية، والحقيقة أن هذه ليست سوى جزء محدود من الصورة، فدور الحقيقي يبدأ من بناء الثقافة المنظمية واستقطاب الكفاءات وإدارة المواهب وتحقيق العدالة، وصناعة بيئة عمل منتجة ورفع مستوى الانتماء ومواءمة أداء الموارد البشرية مع الأهداف الاستراتيجية للمنظمة، وفي المقابل فإن شريحة كبيرة من الموظفين لا تؤمن أصلا بإمكانية تغيير الواقع الوظيفي لصالحهم، فينشأ حاجز من عدم الثقة بين الطرفين، وهو ما يجعل مهمة مدير الموارد البشرية أكثر تعقيدا.

سألني أحدهم يوما: هل تستطيع إدارة الموارد البشرية تغيير ثقافة العمل؟، فكان جوابي: يمكنها أن تحدث تغييرا إيجابيا في السلوك الفردي نسبيا، وأن تعزز القيم والممارسات الإيجابية، لكنها لا تستطيع بسهولة تغيير القناعات والاتجاهات Attitudes المتجذرة لدى الموظفين تجاه بعض القضايا، لانها عملية معقدة وتتداخل فيها عوامل تربوية واجتماعية وثقافية تتجاوز حدود المنظمة.

إنها وظيفة تحتاج إلى نفس طويل وقوة ملاحظة وسرعة بديهة والقدرة على قراءة ما بين السطور، بل وقراءة العقول قبل الكلمات أحيانا، ففي الكثير من المواقف اجد نفسي اؤدي أدوارا متعددة في الوقت نفسه، فمرة محام ادافع عن النظام ومدعي عام يحقق في الوقائع وقاض اصدر توصيته بقدر من العدالة، واحيانا طبيب نفسي استمع ويحتوي، واحيانا أخرى اختصاصي اجتماعي اصلح العلاقات او ومهندس اعيد تصميم الإجراءات، وقائد احاول تحقيق التوازن بين مصلحة المنظمة وكرامة الإنسان، ولهذا أزعم دائما ان إدارة الموارد البشرية ليست مجرد وظيفة بل هي مزيج فريد من خمس مهارات أساسية، وعدة شخصيات مهنية، وسبع أرواح لا تكاد تنتهي.

بعد رحلة امتدت لأكثر من عشرين عاما، بكل ما حملته من نجاحات وتحديات ودروس لا تقدر بثمن اتخذت قرارا شخصيا بألا أعود إلى العمل التنفيذي لهذه الدائرة مرة أخرى، ولم يكن قراري يوما كرها للوظيفة بل احتراما لها وإدراكا لما تتركه من ضغوط نفسية وصحية متراكمة على من يمارسها بإخلاص وضمير، واليوم أجد نفسي أقرب إلى مجال التدريب والتدريس الأكاديمي، حيث أستطيع اليوم أن أنقل خبرة سنوات طويلة من العمل الميداني إلى طلابي في قاعات التدريب والتدريس بكفاءة، وربما أساهم في إعداد قادة يدركون أن الإنسان ليس مجرد رقما في الهيكل التنظيمي بل هو رأس المال الحقيقي لأي منظمة، وبذلك أكون قد غادرت الممارسة المهنية لكني لم أغادر رسالتها، ومن وحي تجربتي في قلب العاصفة بت اؤمن بقيمة الإنسان في المنظمة اكثر من أي وقت مضى.

[email protected]





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :