"ثقافة الحرب" لن تدوم، عالمنا بات مُثخن الجراح
يوسف عبدالله محمود
13-07-2026 05:32 PM
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها ذميمة وتضر إذا ضربتموها فتضرم
فتعرككم عرك البحر بثقالها وتلقح كشافا ثم تنتج "زهير بن أبي سلمى"
منذ القدم وحكماء البشر يحذرون من وخامة "الحروب" فهي ان اندلعت أحرقت الأخضر واليابس، تيتم اطفالاً وتشرد شيوخًا ونساءً. ولكن أعداء الحياة يجرون الإنسانية اليها جرًا، ينشرون ثقافتها وينفقون عليها الأموال الطائلة التي يحرمون الملايين الجائعة منها، يبررون شنها بأكذوبة انقاذ العالم من الإرهاب والإرهابيين، فيتفاقم الإرهاب وتزداد المعاناة وتستعر الأحقاد. ثقافة الحرب لن تخدم سلامًا او وفاقًا مهما حاول المبشرون بها تزيين مظهرها والترغيب بها.
وقد أصاب سمو الأمير الحسن بن طلال كبد الحقيقة حين قال في منتدى الدوحة الثقافي الذي انعقد مرة في قطر: "إن الجيش الذي سيقضي على الإرهاب اليوم لا يرتدي بزات عسكرية وليس له قيادات عُليا، وليست له وحدة أمن متقدمة ولا موازنة كبرى. ان جيش اليوم يخوض معاركه بهدوء ويزيل الألغام ويطعم الأطفال ويقوض الدكتاتوريات العسكرية ويساعد الناس على تنظيم انفسهم من اجل التغيير".
هل نقول ان هذه القراءة الحكيمة للمستقبل الذي تنشده البشرية اليوم باتت اشبه بتمنيات يحجب تحقيقها تجار الحروب ومهندسوها العابثون بالقيم الإنسانية للشعوب؟
الكثيرون من حكماء البشر وعلى امتداد العصور قرأوا مثل هذه القراءة الواعية، لكن قراصنة الحياة يقرأون قراءة مخالفة تبيح إراقة الدماء وصولاً الى استنزاف خيرات الشعوب، وتجيز حرق المدن وتدميرها بدعوى ان ذلك هو الثمن لبلوغ الديمقراطية!
"ثقافة الحرب" التي تحدث عنها الأمير الحسن هي التي تحتل الاولويات في اجندة بعض حكام عالم اليوم. هي التي تنفي ملايين البشر عن اوطانهم ليعيشوا صقيع الاغتراب والنفي.
وفي تأكيده على كيفية مقاربة الاسرة الدولية للاستقرار العالمي ذكر سموه بعض الشروط اللازمة لذلك منها: "الانخراط في بداية جديدة تدفع الظلم عن أيَّ كان، وتحارب مظاهر الثروة بلا جهد، والمعرفة بلا خلق، والتجارة بلا اخلاق، والعلم بلا إنسانية، والعبادة بلا تضحية والسياسة بلا مبادئ".
أتساءل: أين عالمنا من هذه الشروط الإنسانية؟ الا نشاهد الظلم يقع على الآمنين من البشر؟ الا نرى الثروة تتدفق الى السارقين في الخفاء؟ كل هذه الشروط انقلبت الى الضد في ظل العولمة المتوحشة. واذا حدث مرة ان طالبنا باحترام هذه القيم الإنسانية قيل انك بت مُتطرفًا!
كاتب برازيلي قال ذات مرة: اذا سألت زعماء عالمنا عن أسباب الاختلالات الاجتماعية، قالوا: سببها الرئيس الفقر. اما اذا سألتهم: لماذا يوجد الفقر في بلدان غنية؟ قالوا: انك شيوعي!
باختصار، عالمنا المعاصر بحاجة الى ثقافة السلام التي تُبنى على أسس سليمة من التفاهم المتبادل بين الأمم والشعوب. مثل هذه الثقافة لن تنتشر من قبل من تلطخت اياديهم بدماء الأبرياء. ثقافة السلام لن تكون الا اذا صنعها الاحرار الذين يحترمون سيادة الشعوب على ارضها، ويعملون على تصفية كل معاقل الاستعمار.
يقول الكاتب الزنجي فرانز فانون في كتابه "معذبو الأرض": "المستَعْمَر –بفتح الميم- يغدو انسانًا حين يحطم العالم الاستعماري من على ارضه".
لا إنسانية للإنسان –اذن- اذا ظلت قامته منحنية نحو الأرض. لا إنسانية للإنسان اذا ظل مرعوبًا، ولا قيمة لحياته اذا انتفت عنها الكرامة وفارقتها الحرية.
ومن المؤسف ان عروبتنا اليوم امست مُهانة، يتندر اعداؤنا في الحديث عنها وكأنها مجرد شعارات فارغة. اما قادتنا، فالكثيرون منهم قد برعوا في ثقافة "النميمة" –اذا صح التعبير- يجيدونها في الخارج، ينمون على بعضهم البعض –على حد قول محمد حسنين هيكل- الذي قال في سخرية ومرارة خلال مقابلة أجرتها معه فضائية الجزيرة قبل وفاته: "عربيًا" "ان حجم ملف النميمة في الدوائر الغربية بلغ حدًا لا يدانيه حجم ملف آخر!
الا يعني ذلك اننا كعرب مسؤولين ندعم ثقافة الحرب والكراهية؟ الا يعني اننا قد القينا وراء ظهورنا كل قيم التضامن العربي التي طالما تغنينا بها؟ الا يعني ذلك ان بعض مسؤولينا العرب وُدّهم المتبادل مُصطنع؟
والله من وراء القصد!