من هالاند إلى الفايكنج… عندما جدّف العالم مع النرويج
لينا جرادات
13-07-2026 12:07 AM
اكتست المدرجات بالأحمر، واصطفت الجماهير بإيقاع مدروس…تتمايل أذرعها على وقع الطبول…كأنها تجدّف في سفينة "الفايكنج" الجديدة بقيادة "إرلينغ هالاند".
تكرر المشهد في كل مباراة خاضتها النرويج في كأس العالم…لينتقل إلى الساحات المحيطة بالملاعب والشوارع والمطارات، ويصل إلى جماهير في بلدان لا تربطها بالنرويج سوى علاقات دبلوماسية بعيدة، أو اسم عرفته على خريطة العالم.
ومع كل ظهور نرويجي في البطولة، انضمت شعوب جديدة إلى الإيقاع، حتى أصبحت حركة التجديف واحدة من أكثر صور التشجيع حضوراً في المونديال، لتنجح أرض "الفايكنج" في تقديم نفسها بصورة جمعت التاريخ بالرياضة، والهوية الوطنية بالحماس الشعبي.
هكذا عاد الفايكنج إلى الواجهة…بعد أن كانت الصورة التاريخية ثقيلة …إذ ارتبط اسمهم في الذاكرة العالمية بالغزوات والمعارك والسفن التي كانت تبلغ سواحل أوروبا محملة بمحاربين يثيرون الخوف.
لطالما حاولت دولة الشمال الأوروبي الابتعاد عن اختزالها بتلك الصورة …خصوصاً بعد استخدام بعض رموز الفايكنج خارج سياقها الثقافي والتاريخي…لتستعيد النرويج خلال "المونديال" الرمز وتمنحه معنى ينسجم مع حاضرها.
ظهر الفايكنج أخيراً بحاراً شجاعاً، ومستكشفاً لا يخشى المجهول، ورمزاً للقوة والصبر والعمل بروح الفريق …وانتقلت صورته من محارب يحمل السيف إلى لاعب يخوض مواجهته داخل الملعب، ومن سفينة تبحث عن أرض جديدة إلى منتخب يشق طريقه في أكبر بطولات كرة القدم.
@هالاند" الوجه الأنسب لهذه الصورة..ببنيته الجسدية، وملامحه الإسكندنافية، وقوته أمام المرمى، وحضوره الذي يتجاوز حدود كرة القدم، جعلت منه نسخة معاصرة من الفايكنج في مخيلة الجماهير. …وتحول من نجم رياضي إلى واجهة لسردية وطنية جديدة…
وهالاند النرويجي لا يحمل سيفاً ولا يقود غزوة، لكنه يدخل الملاعب بثقة وقوة …يبهر العالم بتسديداته الدقيقة …ويقود خلفه منتخباً وجمهوراً وهوية كاملة.
ومن خلال هذا الحضور، صنعت النرويج حالة جماهيرية مختلفة….فحركة التجديف لا تحتاج إلى لغة، ولا إلى معرفة مسبقة بتاريخ البلاد أو تفاصيل اللعبة. …يكفي أن تنتظم الصفوف، وتعلو الطبول، وتتحرك الأذرع بتناغم، ليصبح أي مشجع جزءاً من السفينة، مهما كانت جنسيته أو المنتخب الذي اعتاد تشجيعه.
ولهذا اختارت جماهير محايدة النرويج منتخباً ثانياً لها. ..فبعضهم جاء من أجل هالاند، وآخرون انجذبوا إلى المشهد الجماهيري، لكن الجميع وجدوا أنفسهم يرددون الإيقاع ذاته ويجدفون في السفينة نفسها.
وفي زمن تتنافس فيه الدول على صورتها بقدر تنافسها على البطولات، أثبتت النرويج أن مشهداً جماهيرياً واحداً قد يحقق ما تعجز عنه حملات ترويجية كاملة…فبينما تنفق بعض الدول ملايين الدولارات على صناعة صورتها، وتشتري المساحات الإعلانية، وتستعين بالخبراء والمؤثرين للوصول إلى الجمهور العالمي… قدمت النرويج قصة جذابة جعلت العالم يختار المشاركة في نشرها…ليحمل جمهورها المشهد من المدرجات إلى الشوارع والمطارات ومنصات التواصل الاجتماعي.
وهكذا حققت النرويج ما تطمح إليه أغلى حملات صناعة الصورة: أن يتحول الآخرون، طوعاً، إلى رواة لقصتها.
النرويج لم تغيّر تاريخ الفايكنج، لكنها اختارت الزاوية التي ترويه منها بجاذبية.
غادرت النرويج البطولة، لكن مشهد المجاديف التي تحركت بإيقاع واحد سيبقى من أكثر مشاهد البطولة رسوخاً في الذاكرة….فبين هالاند الذي هندس أهداف النرويج وقاد منتخباً يحلم، والفايكنج الذين عادوا بصورة جديدة، كتبت النرويج رواية مختلفة عن نفسها.
وفي مونديال تنافست فيه المنتخبات على تسجيل الأهداف، سجلت النرويج هدفها الأجمل خارج المستطيل الأخضر… عندما جعلت العالم يجدّف معها.