إيران بين ناري الحرس الثوري والولايات المتحدة
د. عبدالحفيظ العجلوني
12-07-2026 12:26 PM
* هل يقود تعدد مراكز القرار إلى مواجهة خليجية مفتوحة؟
لم تعد الأزمة الأخيرة في الخليج مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو خلاف سياسي بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الإيراني على إدارة توازناته الداخلية، وتوحيد قراره السياسي والعسكري، ولقدرة الدبلوماسية الدولية على منع المنطقة من الانزلاق إلى صراع أوسع قد تتجاوز تداعياته حدود الخليج إلى الاقتصاد العالمي بأسره. فكلما بدا أن نافذة للحوار قد فُتحت، جاءت تطورات ميدانية لتعيد إنتاج حالة الشك وانعدام الثقة، وتثير تساؤلات حول مدى قدرة الأطراف المعنية على الالتزام بما يتم التوصل إليه من تفاهمات سياسية وأمنية.
ولم تكن الهجمات الأخيرة التي استهدفت سفناً تجارية في الخليج مجرد حادث أمني عابر، بل كشفت عن تعقيدات أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي الإيراني، وحدود العلاقة بين مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية، ولا سيما الحرس الثوري، فضلاً عن مستقبل التفاهمات التي جرى التوصل إليها بين طهران وواشنطن بعد أشهر من المواجهة العسكرية والتصعيد المتبادل.
وقد جاءت هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، بينما كانت مذكرة التفاهم التي أُبرمت بوساطات إقليمية ودولية تمثل نافذة لخفض التوتر، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وفتح قنوات اتصال سياسية وأمنية بين الطرفين، تمهيداً لمعالجة ملفات أكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والدور الإقليمي لطهران. وقد رأت دراسات صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، إلى جانب تحليلات نشرتها Financial Times ووكالة Reuters، أن هذه المذكرة لم تكن تسوية نهائية بقدر ما كانت إطاراً لإدارة الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة، وأن نجاحها كان يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الطرفين على احتواء القوى الأكثر تشدداً داخل كل معسكر.
غير أن الهجمات البحرية الأخيرة أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة هذا التفاهم على الصمود، وحول طبيعة مراكز صنع القرار داخل إيران، ومدى انسجامها في إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، ذكرت وكالة رويترز، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، أن مسؤولين إيرانيين أبلغوا وسطاء بأن الهجمات على السفن ربما لم تكن تعبيراً عن قرار استراتيجي اتخذته القيادة السياسية، وإنما قد تكون نفذتها جهات متشددة سعت إلى تقويض مسار التفاهم مع واشنطن. كما أشارت تقارير إعلامية أخرى إلى أن مسؤولين إيرانيين أبدوا خشيتهم من أن تؤدي هذه العمليات إلى نسف الجهود الدبلوماسية وإعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة. ومع ذلك، فإن هذه الرواية ما تزال محل نقاش، ولم تؤكدها جميع المصادر بصورة قاطعة، الأمر الذي يفرض التعامل معها باعتبارها إحدى الروايات المتداولة، لا حقيقة نهائية.
ومهما تكن دقة هذه الرواية، فإنها تثير سؤالاً بالغ الأهمية: هل تمتلك الحكومة الإيرانية السيطرة الكاملة على جميع أدوات القوة العسكرية والأمنية، أم أن طبيعة النظام تسمح بوجود تعدد في مراكز التأثير على القرار، خصوصاً في القضايا ذات الطابع الأمني والعسكري؟
وفي هذا الإطار، يكتسب موقع المرشد الأعلى أهمية خاصة في فهم آليات صنع القرار داخل الجمهورية الإسلامية. فبحكم الدستور الإيراني، يُعد المرشد الأعلى القائد العام للقوات المسلحة، وصاحب الكلمة العليا في رسم السياسات العامة للدولة، كما يشرف على المؤسسات السيادية والأمنية والعسكرية. ويرى بعض الباحثين في الشأن الإيراني أن ما يبدو تعدداً في مراكز القرار لا يعكس بالضرورة ضعفاً في التنسيق، بل قد يكون جزءاً من آلية توزيع للأدوار داخل بنية النظام، بما يسمح للمؤسسات السياسية بإدارة المسارات الدبلوماسية، في حين تتولى المؤسسات العسكرية والأمنية إدارة أدوات الردع والضغط، ضمن الإطار العام الذي ترسمه القيادة العليا للدولة.
وتزداد هذه الصورة تعقيداً بالنظر إلى المكانة التي يحتلها الحرس الثوري داخل بنية النظام الإيراني. فهذه المؤسسة لم تعد تقتصر على أداء مهامها العسكرية والأمنية، بل أصبحت تمتلك حضوراً واسعاً في قطاعات اقتصادية واستثمارية استراتيجية، تشمل الطاقة والإنشاءات والنقل والتجارة والموانئ والاتصالات. وقد أدى هذا التوسع إلى نشوء شبكة مصالح اقتصادية واسعة ترتبط باستمرار العقوبات والاقتصاد المغلق، الأمر الذي يدفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن أي انفتاح اقتصادي واسع أو تقارب سياسي مع الولايات المتحدة قد يفرض إعادة توزيع لموازين النفوذ الاقتصادي داخل إيران، وهو ما يفسر جانباً من الحساسيات التي ترافق أي مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن.
في المقابل، تعاملت الولايات المتحدة مع الهجمات الأخيرة بوصفها امتداداً لسلسلة من التهديدات التي ترى أن إيران تتحمل مسؤوليتها، بصرف النظر عن الجهة التي نفذتها داخل الدولة. وأكدت الإدارة الأمريكية أن مسؤولية الدولة لا تنتفي بوجود تباينات أو خلافات داخل مؤسساتها، وأن أي اعتداء على حرية الملاحة الدولية سيقابل برد مناسب، مع التشديد على أن استمرار أي تفاهم سياسي يتطلب التزاماً عملياً من جانب طهران بضمان أمن الملاحة وعدم السماح لأي جهة بعرقلة الاتفاقات المبرمة.
ومن هذا المنطلق، ترى واشنطن أن الدولة الإيرانية تظل مسؤولة، وفق قواعد القانون الدولي، عن الأفعال التي تصدر عن مؤسساتها أو الجهات المسلحة العاملة ضمن نطاق نفوذها، وأن أي اتفاق لا يمكن أن يحقق أهدافه إذا كانت هناك أطراف قادرة على تقويضه دون مساءلة.
وقد شغل تعقيد البنية المؤسسية الإيرانية حيزاً واسعاً في تحليلات مراكز الدراسات والصحف الغربية. ويشير باحثون في المجلس الأطلسي (Atlantic Council) والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن تداخل الصلاحيات بين المؤسسات الدستورية والأمنية والعسكرية يجعل من الصعب الجزم بوجود انقسام مؤسسي واضح أو استقلال كامل لأي طرف عن التوجهات العامة للدولة. ومن ثم، فإن الحديث عن صراع داخلي في مراكز القرار ينبغي أن يبقى في إطار الفرضيات التحليلية المستندة إلى مؤشرات سياسية، لا في إطار الحقائق القطعية.
وفي المقابل، تكاد تجمع غالبية الصحف ووكالات الأنباء الدولية، وفي مقدمتها رويترز وأسوشيتد برس وFinancial Times، على أن توقيت الهجمات البحرية جاء في مرحلة شديدة الحساسية، بما يهدد بإضعاف المسار الدبلوماسي الذي بدأ بعد التفاهم الأخير، ويعيد مضيق هرمز إلى واجهة التوترات الدولية، ويزيد من مخاوف اضطراب أسواق الطاقة العالمية، ويرفع احتمالات سوء التقدير العسكري، وهو ما قد يقود إلى تصعيد لا يرغب فيه أي من الطرفين، لكنه يظل احتمالاً قائماً إذا استمرت دوامة الردود المتبادلة.
أما دول الخليج، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي معنية بحماية أمنها القومي وممراتها البحرية، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أي مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران ستكون لها تداعيات مباشرة على اقتصادات المنطقة وأمنها واستقرارها السياسي. ومن هنا، تواصل هذه الدول دعم المساعي الدبلوماسية، بالتوازي مع تعزيز جاهزيتها الدفاعية وتوسيع تعاونها الأمني مع شركائها الإقليميين والدوليين.
وخلاصة القول أن الأزمة الراهنة تكشف أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على طبيعة العلاقة المتوترة بين إيران والولايات المتحدة، وإنما يمتد إلى طبيعة البنية المؤسسية للنظام الإيراني، وقدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي، وإدارة المصالح الاقتصادية، والمحافظة على وحدة القرار السياسي والعسكري في القضايا الاستراتيجية. فإذا صحت الروايات التي تتحدث عن وجود قوى متشددة تسعى إلى إبطاء مسار التفاهمات مع الغرب، فإن ذلك يعكس حجم التعقيدات التي تحكم عملية صنع القرار داخل الدولة الإيرانية. أما إذا كانت تلك الروايات جزءاً من إدارة سياسية للأزمة، فإن النتيجة العملية تبقى واحدة، إذ ستواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها تحميل الدولة الإيرانية المسؤولية الكاملة عن أي تهديد لأمن الملاحة أو للاستقرار الإقليمي.
ولعل الدرس الأبرز الذي تكشفه هذه الأزمة هو أن استقرار الخليج لم يعد رهناً فقط بميزان القوة بين إيران والولايات المتحدة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة النظام الإيراني على المواءمة بين مؤسساته السياسية والعسكرية والاقتصادية في إطار قرار استراتيجي موحد، وبقدرة المجتمع الدولي على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى ترتيبات أمنية أكثر استدامة. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الخليج يعيش على إيقاع هدنة هشة، قد تكفي شرارة واحدة لتحويلها إلى مواجهة لا يريدها أحد، لكنها تبقى احتمالاً قائماً في ظل استمرار انعدام الثقة، وتعدد الحسابات الإقليمية والدولية، وتشابك المصالح الاستراتيجية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.