الحمّى الإدارية: حرارة المؤسسة بين التشخيص والإصلاح
13-07-2026 12:56 AM
عندما ترتفع درجة حرارة جسم الطفل، تقوم الأم بمتابعته بوضع يدها على جبينه، لكون حرارة الطفل تمثل مؤشرًا لوجود عارض يستوجب الفحص والتشخيص، وتقوم بتخفيض الحرارة كخطوة أولية، ومراجعة الطبيب لاحقًا. لذلك، فإن الطبيب لا يكتفي بمعالجة الحرارة بوصفها المشكلة، وإنما بوصفها عارضًا، بل يبحث عن السبب الذي أدى إلى ظهورها، مما يعني ان إزالة الأعراض بشكل مؤقت لا تعني بالضرورة معالجة المرض.
ومن باب التشبيه المجازي، يمكن النظر إلى بعض بيئات العمل في المؤسسات بالطريقة نفسها؛ فقد تظهر فيها في بعض الأحيان مؤشرات تنظيمية غير صحية يمكن وصفها مجازًا بـ"الحمّى الإدارية"، وهو تعبير مجازي يُستخدم للدلالة على بعض الأعراض التي قد تستدعي المراجعة والتقييم، مثل تراجع مستوى الأداء، وضعف قنوات التواصل، وارتفاع مستويات التوتر الوظيفي، وتأخر إنجاز الأعمال، أو الحاجة إلى إعادة تقييم بعض الإجراءات والسياسات الإدارية علما بأن هذه المؤشرات لا تمثل المشكلة بحد ذاتها، وإنما قد تعكس وجود أسباب إدارية، أو تنظيمية، أو إجرائية تستحق الدراسة والتحليل وفق أسس موضوعية.
فكما أن ارتفاع حرارة الجسد لا يُعد المرض نفسه، فإن المؤشرات الإدارية لا ينبغي أن تُفسر بوصفها الأزمة ذاتها، وإنما باعتبارها إشارات تستوجب الوقوف عندها وتحليلها بصورة علمية ومهنية، فالمؤسسات لا تواجه التحديات التنظيمية بصورة مفاجئة بل تسبقها غالبًا مؤشرات متدرجة تبدأ محدودة الأثرومن ثم تتراكم بمرور الوقت إذا لم تُعالج في مراحلها الأولى لتنعكس لاحقًا على كفاءة الأداء وجودة الخدمات وبيئة العمل.
وفي هذا الإطار، برز في الفكر الإداري الحديث مفهوم الإحساس والاستجابة (Sense and Respond)، الذي يعكس استراتيجية فاعلة تبدأ بحسن قراءة الواقع قبل اتخاذ القرار، فالإدارة الرشيدة لا تتعامل مع الظواهر بوصفها حقائق مكتملة وإنما تنظر إليها باعتبارها بيانات ومؤشرات تحتاج إلى تحليل وتفسير للوصول إلى الأسباب الحقيقية التي أفرزتها.
ويقتضي هذا المنهج أن تنتقل الإدارة من التركيز على النتائج الظاهرة إلى دراسة مسبباتها، فعندما تظهر مؤشرات عدم الرضا الوظيفي بشتى أنواعها أو تتكرر الأخطاء أو تتراجع مستويات الإنتاجية، فإن المعالجة الفاعلة لا تقتصر على احتواء النتائج وإنما تمتد إلى مراجعة بيئة العمل والإجراءات التنظيمية وآليات اتخاذ القرار وأنماط الاتصال الإداري بما يتيح معالجة الأسباب قبل استفحال آثارها.
ولا يقوم هذا النهج على الانطباعات الشخصية أو ردود الأفعال الآنية وإنما يستند إلى البيانات، ومؤشرات الأداء، والتحليل الموضوعي، والحوار المؤسسي باعتبارها أدوات تساعد الإدارة على بناء قرارات أكثر دقة وعدالة وفاعلية بما يحقق كفاءة العمل والمصلحة العامة لمؤسسات الدولة.
ومن أبرز مزايا هذا النهج أنه ينقل المؤسسة من إدارة الأزمات إلى استشعار المؤشرات مبكرًا بما يعزز كفاءة الأداء وجودة القرار. ومع تطور الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، أصبحت المؤسسات أكثر قدرة على قراءة مؤشرات الواقع وتحويلها إلى قرارات تطويرية، بما يدعم الحوكمة الرشيدة، ويعزز الشفافية والمساءلة، ويرفع كفاءة الأداء المؤسسي.
وفي الختام، فإن حرارة الجسد لا تكذب، وكذلك حرارة المؤسسة بوصفها استعارة مجازية للمؤشرات التنظيمية التي تستحق القراءة والتحليل، فالطبيب لا يُقاس نجاحه بمجرد خفض الحرارة وإنما بقدرته على تشخيص أسبابها ومعالجتها، وكذلك القائد الإداري، لا يُقاس نجاحه بإخفاء مظاهر الخلل أو الاكتفاء بمعالجة نتائجه وإنما بقدرته على فهم المؤشرات وتشخيص أسبابها واتخاذ قرارات عادلة ورشيدة تعالج الجذور قبل المظاهر وتحقق التوازن بين الكفاءة المؤسسية وسيادة القانون والحوكمة الرشيدة. فالعلاج الحقيقي، في الإدارة كما في الطب، يبدأ دائمًا بحسن قراءة المؤشرات ومن ثم الاستجابة لها وفق منهج علمي ومهني يجعل من الوقاية والتطوير نهجًا إداريًا لوليس فقط مجرد استجابة مؤقتة لظهور الأعراض.