الناقل الوطني .. أكبر من مشروع وأبعد من تعويض
محمد حسام ابو رمان
13-07-2026 05:45 PM
الأردن اليوم ثاني أفقر دولة في العالم مائيًا، فحصة الفرد فيه لا تتجاوز 61 مترًا مكعبًا في السنة لكل الاستخدامات، بينما يقف خط الفقر المائي العالمي عند 500 متر مكعب. نحن لا نتحدث عن أزمة موسمية تحلها الأمطار، بل عن معادلة وجودية تمس استقرارنا وسيادتنا وقرارنا الوطني، فمن لا يملك ماءه لا يملك قراره كاملًا. ولهذا أزعم أن الناقل الوطني، الذي سيحلّي وينقل 300 مليون متر مكعب سنويًا من العقبة إلى المحافظات ويغطي نحو 40 بالمئة من احتياجاتنا من مياه الشرب، هو المشروع الأهم في تاريخ الدولة الأردنية. ليس لأنه الأضخم كلفة، بل لأنه يؤمّن ما لا يستطيع أحد الاستغناء عنه.
يدور اليوم تحت قبة مجلس النواب نقاش قانوني حول تعويضات الأراضي التي سيمر بها خط الناقل، وهل تحتسب بالقيمة الإدارية أم بالقيمة الفعلية أم بمقدار الضرر. وهو نقاش مشروع ومطلوب، فالتعويض العادل حق كفله الدستور، ولا يجوز أن يدفع مواطن وحده ثمن مشروع يستفيد منه الجميع. لكن دعونا نوسع زاوية النظر قليلًا ونطرح سؤالًا من نوع آخر. ماذا لو لم تكن العلاقة بين الأردني وهذا المشروع علاقة مالك ومستملِك فقط، بل علاقة شريك ببناء وطنه؟
من نشأة الدولة الأردنية إلى اليوم لم تُبنَ هذه البلاد بالموازنات وحدها. بُنيت المدارس بتبرعات الأهالي، وشُيدت المستشفيات والمساجد والمواقف بمال الأردنيين الخاص، وقامت مؤسسات كاملة على أكتاف مواطنين رأوا في العطاء للدولة امتدادًا لكرامتهم لا انتقاصًا منها. وهذه ليست حكايات من الماضي بل هوية جماعية. فالأردني الذي أعطى الأرض للمدرسة وأعطى الجهد للمؤسسة وأعطى أبناءه للوطن لن يقف اليوم متفرجًا أمام مشروع يضمن الماء لأحفاده.
ولهذا أعتقد أن أمام أبناء المناطق التي سيمر بها الناقل، من العقبة إلى عمّان عبر 450 كيلومترًا، فرصة تاريخية نادرة لأن يضعوا بصمتهم في أهم مشروع سيادي بتاريخ المملكة، وأن تتحول أسماء قراهم وعشائرهم وبلداتهم إلى جزء من قصة إرواء الأردن. كل تسهيل يقدمونه وكل موقف كريم يتخذونه سيسرّع الإنجاز ويخفض الكلفة ويختصر سنوات من العطش المؤجل. وحين يفعلون ذلك فهم لا يتنازلون عن حق، بل يسجلون دينًا على الأردنيين من الأردنيين، دينًا سيرويه الماء نفسه حين يصل إلى كل بيت.
التعويض العادل واجب على الدولة، والموقف الوطني شرف يختاره المواطن، وبين الواجب والشرف تُبنى الأوطان الكبيرة. فلنجعل من مسار الناقل الوطني خريطة مواقف لا خريطة أنابيب فقط.
فالماء الذي سيجري في هذا الخط لن يحمل الحياة وحدها، بل سيحمل أيضًا قصة أردنيين اختاروا أن تكون لهم بصمة في مستقبل وطنهم.