رواية الحرب والسلام المستمرّة في الشرق الأوسط
حسين بني هاني
13-07-2026 07:27 PM
هي إن شئت سرديَّةٌ مؤلمةٌ ، فصول بعضها حافل بالعنف ، ووقائعها لازالت تثير المشاعر وتُدمي قلوب الناس ، وتغشى فيها الدمعةُ مُقلة العين أحياناً ، إذ يصعب أن تجد مكاناً في العالم ، غير هذه المنطقة ، فيه هذا الكمَّ الكبير من الألم ، وذاك المستوى العميق من تدخّل القوى الأجنبية الكبرى في شؤونها الداخلية ، خاصة الولايات المتحدة.
فمنذ قيام إسرائيل لازالت الحروب فيها ، تُنْجِبُ بين الفينة والأخرى، رواية كونية تلو رواية ، أركانها تشبه ملحمة إنسانية لا تنتهي ويلاتها ، لكن الرّاوي فيها لازال يتجاهل الواقع ، ويغضُّ الطرف أيضاً عن مصالح أهلها ، ولم يفلح يوماً في تقديم الحقيقة كما هي للمتابعين في العالم ، تماماً كما هو الحال اليوم في حرب الخليج ، وشمل الوجع فيها الجميع عبر تاريخهم وحاضرهم الممتد ، وصار المتحدث الامريكي وقبله الاسرائيلي اليوم ، يجمع فيها شظايا الكلمات ، ليكمل جُمْلَة النصر هنا وهناك، بعد أن أصبحت المواجهة عبر مضيق هرمز ، وفي لبنان وغزة والصفة الغربية أيضاً ، حكاية إثمٍ مفتوحة على كل الاحتمالات ، تصيب فيها شظايا اللكمات العسكرية معظم دول المنطقة ، وتتوالد عَبرها الأزمات والمبالغات ، بل تُفتَحُ فيها كل مرة أبواب الجحيم ، وتُغلَقُ بموجبها أمام الناس منافذ الأمن والاستقرار ، بعد أن واصلت دولة واحدة (إسرائيل) في المنطقة سعيها للتوسع والاحتلال ، على حساب الآخرين ، بحجة ضمان أمنٍ لها ، لاحدود له ولا مكان ولا زمان ، وأخذت معها واشنطن طوعاً وكرهاً ، دون أن يكون لها مدخل صدق عندها ، تخطب فيه ودّ الحلفاء ، في محاولة منها لتبسيط سيرورة الحاضر ، وجعله أمراً قابلا للاستهلاك السياسي السريع أمام العالم ، ووفق مصالحها وأهدافها فقط ، تُشيّد فيه تل أبيب ومعها واشنطن ، معالم المشهد ظناً منهما أن الفوضى هي السبيل الوحيد لتغيير وجه الشرق الأوسط.
لم تدرك واشنطن وتل أبيب حتى هذه اللحظة ، ملامح ظاهرة التمرّد الشعبي ، التي إجتاحت المنطقة قبل عقدٍ ونصف من الزمن ، وإرهاصات فائض الوعي الذي اجتاحها ، وانتقل قسراً في طهران مؤخراً إلى مستوى الحُكُمْ ، مسنوداً هذه المرة بالصمود المفاجئ أمام واشنطن وتل أبيب، في صيغة رفض شامل للهيمنة أياً كان مصدرها ، ضمن موجة وعيٍ تحمل في طيّاتها عمقاً انسانيا وثقافياً ، يرفض الظلم والاستكبار الواقع على الإنسان في هذه المنطقة ، التي ملَّت رؤية الدّم وويلات الحروب على الشاشتين الكبيرة والصغيرة ، ومآسي الناس طوال الوقت ، ورؤية القتل والدمار والخراب ، وهجرة الناس طلباً للأمن والأمان ، كما كان عليه الحال في سوريا سابقا ، وفي غزة لو تمكنت إسرائيل من ذلك مؤخراً ، بالإضافة لحروب الوكالة التي تجري اليوم في غير مكان ، وبرعاية دولية ، بقصد إحكام السيطرة على المنطقة ، وهدم منظومة القيم السائدة فيها ، والتشكيك في معطيات نُظُمِها السياسية ، في محاولة منها لتجريب أنماط أخرى متخيّلة ، يثير بعضها الدهشة في ذاكرة المتابعين لأدب الحرب والسلام ، ذاك الذي بدأ يأخذ مجده ، عبر الصدامات الدينية والمذهبية والإثنية والتوسعية أيضا ، من خلال إستدعاء التاريخ بمراحله المختلفة ، التي تصنع لحظة الصدام ، وفق فرضيّات تتشابك بها ومعها المواقف والمصالح ، لتفرز مرثية لأحلام الناس الواسعة في أوطانهم ، الآمن منها والمهدد بأمنه على حدٍ سواء ، في الخليج وعموم المنطقة أيضاً.
لقد ملَّ الناس فيها كلَّ الحروب ، وبصرف النظر عن اسبابها ، وسرديّات القتل والدمار وازدواجية المعايير الغربية ، خاصة الأمريكية منها ، التي غدت تتعرّض لِمَبْضَع المشرّحين في العدالة الدولية ، وخاصة في أوروبا تحديدا ، تلك التي يُصابُ المتابع لها بالاكتئاب وعتمة السؤال ، لأن الحرب عندما لا تكون عادلة ، كما هو الحال في الخليج ، وما تصنعه آلة الحرب الاسرائيلية في لبنان وفلسطين وسوريا ، وفي غير مكان ، تصبح اللحظة شديدة التوتر وحافلة بالمعنى ، يطغى فيها على الناس فضيلة السؤال ، وحالة من اليأس والرغبة بالثأر ، يصعب فيها على أرواحهم الغضّة المتعبة ، تحمّل هذا الجسد المكلوم ، الذي ما زال جرحه ينزف دماءً غزيرة في الشرق الأوسط ، ويواجه الألم كل يوم بصمت الكلمات ، ينتظر الجميع فيها أن تضع الحرب أوزارها ، والاستشفاء من قسوة تجلِّياتها ، كي يعود الناس للعيش وفق أقدارهم وآمالهم وأحلامهم ، بعد أن تأكّد الساكنون فيها ، أن الحرب لا تصنع أبطالا ً، وإنما دمارا تزدحم به طرقات الأوطان ، كما هو الحال في مدن غزة اليوم ، يُصَادر بموجبها حُلمْ الساكنين ، ولا ترتاح فيها أرواح المقيمين من البشر ، ولا حتى أرواح الشهداء.