من المستشرقين إلى المستغربين .. من يكتب وعي الأمة؟
محمد مطلب المجالي
14-07-2026 03:25 PM
لم يكن الاستشراق في كثير من مراحله مجرد حركة علمية بريئة تهدف إلى دراسة الشرق وثقافته، بل ارتبط في جانب منه بالمشاريع السياسية والاستعمارية، فسعى بعض المستشرقين إلى فهم المجتمعات العربية والإسلامية لخدمة مصالح دولهم، وكتب بعضهم عن الإسلام بعينٍ منصفة، بينما حمل آخرون أحكامًا مسبقة أسهمت في تشويه صورته وتقديمه للعالم بصورة لا تنصف حضارته ولا قيمه.
أما اليوم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا عن المستغربين؟ أولئك الذين درسوا في الجامعات الغربية، أو تأثروا بالمدارس الفكرية الغربية، ثم عادوا إلى أوطانهم يحملون أفكارًا ورؤى جديدة.
ليس كل من تعلم في الغرب مستغربًا، وليس كل من عاد منه ناقلًا لمشروع ثقافي غريب. فالجامعات الغربية خرّجت علماء ومفكرين عربًا أسهموا في نهضة أوطانهم، واستفادوا من التقدم العلمي دون أن يتخلوا عن هويتهم. فالعلم لا وطن له، والمعرفة ملك للبشرية.
غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الإعجاب إلى تبعية، والاستفادة إلى استلاب، والنقد إلى ازدراء للذات، فيصبح كل ما هو غربي حقًا مطلقًا، وكل ما هو عربي أو إسلامي تخلفًا يجب التخلص منه. عندها لا يكون الإنسان ناقلًا للعلم، بل ناقلًا لمنظومة فكرية دون تمحيص أو نقد.
إن الأمم لا تنهض برفض الآخر، ولا بالذوبان فيه، وإنما تنهض بوعيٍ يميز بين العلم النافع الذي ينبغي اكتسابه، والقيم التي يجب أن تُناقش في ضوء هوية المجتمع وثوابته. فالاقتباس الحضاري ليس عيبًا، وإنما العيب أن نفقد قدرتنا على التمييز، فنستورد الأفكار كما نستورد السلع، دون مراعاة لخصوصية المجتمع وتاريخه وثقافته.
لقد احتفظت أمم كثيرة بهويتها وهي تتصدر العالم في العلوم والتقنية، فلم تجعل التقدم مرادفًا للتخلي عن لغتها أو ثقافتها أو قيمها. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن نسعى إليها: أن نأخذ من العالم أفضل ما عنده، وأن نقدم له أفضل ما عندنا.
فالخطر الحقيقي ليس في السفر إلى الغرب، ولا في الدراسة في جامعاته، وإنما في أن يعود بعض أبنائنا وقد فقدوا ثقتهم بأمتهم، وأصبحوا ينظرون إلى تاريخها وتراثها بعين الازدراء، ويقيسون كل شيء بمقياس الآخر وحده.
إن الانفتاح ضرورة، لكن الحفاظ على الهوية ضرورة أكبر. وبين الانغلاق والاستلاب طريق ثالث، هو طريق الوعي، الذي يجعل الإنسان منفتحًا على العالم، ثابتًا في انتمائه، واثقًا بدينه، معتزًا بلغته، مؤمنًا بأن الحضارات تتكامل ولا تتطابق، وأن قوة الأمم تبدأ حين تعرف نفسها قبل أن تقلد غيرها.